خاتم المرسلين..أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً وأَعَزِّ الأصول مَغْرِساً

السبت 17 تشرين أول 2020 160

خاتم المرسلين..أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً  وأَعَزِّ الأصول مَغْرِساً
 صباح محسن كاظم
 
ثقافة السلام، ثقافة المحبة بين المجتمع، ثقافة التوحيد، ثقافة الصفح والاعتذار وبناء الذات، أرسى قيمها رسول الرحمة ونبي الأمة، لِينقل المجتمع العربيّ بالجزيرة وبكل من آمنَ برسالته بكل البقاع من الثأر ووأد البنات والعنف والتسليب والغش إلى ثقافة جديدة تعزز السلوك الجمعي لأبناء الأمة وتوثق علاقات الأنسنة بكل جغرافية بالعالم؛ لأن نبي الأمة رحمة للإنسانيَّة بكل عقائدها ووجودها.
ونحن بأحلك الظروف الصحية والاقتصادية بسبب وباء كورونا، الحاجة الماسة تدعونا لبناء النسق الثقافي والاجتماعي وفق الأطر التي وجهنا نبينا الكريم بالتآزر والتعاون والتكافل لتجاوز هذه المحن.
 
إصلاح الأحوال
لقد درس نبينا العظيم من كل العقائد والأديان وما زالت المؤلفات تدرس جوانب شخصيته آخرها الكتاب الأخير «طاعة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الموروث الروائي دراسة تاريخيَّة» للدكتور مخلد ذياب فيصل.
«مؤلفنا هنا يسلط الضوء على عنصر رئيس يرتبط بإصلاح الأحوال والقضاء على السلوكيات المدمرة لحياة الإنسان إذا ما طبق ألا وهو الامتثال لأوامر النبي)، الكتاب الثمين الشامل للسيرة برؤى معاصرة تناول جوانب تفصيليَّة بثلاثة فصول تتفرع منها عدة مباحث، الكتاب التربوي والأخلاقي والتاريخي بكل شاردة وواردة عن النبي العظيم والطاعة والتوصيف القرآني للطاعة ومقاربات بين موسى وقومه، وفي الفصل الثاني إبحارٌ في عمق التاريخ والدعوة الإسلامية وأساليب قريش في مجابهة النبي والهجرة للحبشة وبيعة العقبة، ثم الفصل الثالث طاعة النبي على المستوى الاجتماعي. وقد خاض غمار البحث في تفاصيل أثرت الفصل بكل الجوانب ستكون لي دراسة مخصصة بالكتاب. لا ريب أنَّ الرؤى المعاصرة للدعوة المحمديَّة تنفع الأجيال بالمسير على هذا المنهج الذي نقل العرب من العتمة للضوء، كما أكد ذلك الشيخ محمد مهدي الناصري بكتابه عن السيرة المحمدية العطرة جاء كتاب: الشيخ محمد مهدي الناصري/ حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من القرآن الكريم/ الصادر في الشهر الأخير من عام 2016 عن جمعية التضامن الإسلامي بـ 72 صفحة، ليدرس شخصية نبينا العظيم بفصولٍ شيّقة، وبقراءة علميّة مُستوحاة من القرآن الكريم، دارساً البشارة، الحالات التي مرَّ بها الأنبياء عليهم السلام قبل البعثة المباركة، البعثة المباركة لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله، خاتمية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله، الاختيار، الوحي، نزول القرآن، الإرشاد والدعوة بين الأساليب والمشكلات، طاعة الرسول، الولاية، أخلاق النبي صلى الله عليه وآله في حياته الخاصة، الهجرة المباركة ومرحلة المدينة المنورة، صيغ أخرى لخطاب الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله، أساليب تربوية متنوعة، الانتصارات وفتح مكة وحروب النبي صلى الله عليه وآله، حواريات وأحكام في مجالات مختلفة.
يذكر «المؤلف» بمقدمته ص3: (دعيت للحديث عن النبي صلى الله عليه وآله، في ذكرى ولادته الميمونة، فلجأت إلى المكتبة أقلب ما فيها وأجمع بعض المصادر فلاحظت الاختلاف والتضارب في الروايات والتفاسير، وقد دفعني ذلك للتعرف أكثر على سيرة النبي صلى الله عليه وآله في القرآن الكريم، ومن هنا بدأت بجمع الآيات وترتيبها بدءاً ببشارة الأنبياء به إلى حينة رحيله صلى الله عليه وآله).
لقد اقتفى المؤلف محمد مهدي الناصري المنهج الاستدلالي في التقصي والكشف والبيان، لذا أرى بكل باب من تلك المباحث هناك (بيان) للرأي وفهم مُستل من القرآن الكريم بروح تمتلئ بالصدق، والكشف عن الحقيقة والموضوعية بطرح الاستدلالات المنطقيّة والعلميّة في متن تلك الشروحات التي قدمها الشيخ محمد مهدي الناصري على طبقٍ شهيٍ من مائدة البحث العلميّ الرصين، وفي كتاب الدكتور مخلد ذياب فيصل روايات أهل الكتاب للسيرة النبوية الصادر عن دار الفراهيدي /2017/ 293 صفحة الذي بذل فيه جهداً علمياً يستحق الثناء وأعده كأحد المصادر العلمية المعاصرة في دراسة التاريخ الرسالي لمحتواه المهم بدراسة الأديان والرؤية النبوية في الديانات الأخرى وهو جهدٌ علميّ رصيّن لا غنى لكل الدارسين بالدكتوراه عن تفاصيل تلك السرديات المهمة.
 إنَّ الانتماء إلى النبي الأعظم والرسالة المحمدية السمحاء التي جاهد لتطبيقها سيد الأولين والآخرين رسول رب العالمين، يتطلب من أبناء الأمة اليوم التمسك بها لإثبات السمو الأخلاقي والالتزام الروحي بالأطروحة الإلهية التي جسدها نبينا الخاتم «ص»، وتأكيده على ثقافة السلام والمحبة والوئام بين الإنسانية جمعاء، فثقافة السلام بين جميع العقائد والأديان كانت هي العقيدة النبوية المحمدية التي أرسى قيمها الخاتم للرسل والأنبياء، ورفع شعارها مع جميع الأعداء والمناوئين، داعياً إلى التعايش بلا فتنٍ وحروبٍ بعيداً عن ثقافة العنف والقتل والغدر والمكر.
هنا تكمن المفارقة، نبينا يُجاهد في سبيل السلم الاجتماعي ومشايخ الإسلام اليوم يدعوّن إلى الفتنة والشقاق والنفاق والقتال، وقد نتجت عن ذلك مجازر وحشية في تاريخنا الإسلامي من مذابح وعدوان الحكام الأمويين والعباسيين إلى البعثيين، وما تشهده المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة من احترابٍ طائفي لا مبرر له بين الأخوة المسلمين يُسوق له إعلامياً بقنوات فضائية ضالة مُضلة وصحف صفراء وفي مساجد تدعو للفرقة من (شيوخ الفتنة) وفتاوى التكفير التي لا تُعبر ولا تُمثل الإسلام المحمدي الأصيل.
إنَّ المبعث النبوي الشريف للنبي الأعظم المعصوم المؤيد المنصور المسدد أبو القاسم محمد (ص) لهداية الإنسانية وإشاعة ثقافة المحبة لأنَّ نبينا هو منتهى الكمال البشري، والأنموذج الإنسانيّ الأسمى والأطهر والأقدس، داعية السلام والمحبة، حتى وصفة القرآن بـ (إنك لعلى خلق عظيم). فالمقامات العالية التي تكاملت فيها شخصية نبينا الأعظم، من كمالات أخلاقية وحُسن السيرة وعلو المنزلة والمكانة الرفيعة، تجسدت في سلوك الخاتم كما قالت: زوجته عائشة (رض) كان خلقه القرآن فالاستعدادات الفطريَّة في شخصيته قبل الرسالة بما وصف من أمانة وصدق الحديث وصفاء ونقاء السريرة، أهلته لحمل أسمى رسالة سماويَّة، ونزول أقدس الكتب السماوية عليه، لقد كانت الوثنية والصنمية، والشركية هي الاعتقادات السائدة في الجاهلية كالأوثان في الجزيرة والنار في فارس والصليب عند الروم، والإنسانية غارقة في الظلام، وفي هذا المفصل التاريخي تأتي ولادة الرسول الأعظم حيث خمدت نيران فارس، وسقطت شرفات قصر كسرى، ونكست الأصنام، وأطل فجر التوحيد المشرق بضياء الرسالة وانعتاق الإنسان من جاهليته العمياء بالتوجه الى خالق الكون وموجده. ولادة الرسول الأعظم جاءت من أجل مسيرة التوحيد في البشرية من أبي الأنبياء إبراهيم الخليل «ع» ومن أجل هداية الإنسانية لطريق الحق.
 
مراحل من السيرة النبويَّة
أُرسِلَ نبينا الأكرم الى البادية فأرضعته حليمة السعدية، ولتعلم الفصاحة والفروسية  وعند بلوغه السادسة من عمرة الشريف رافق أمه آمنة في سفرها الى يثرب، وعند الرجوع توفيت آمنة في (الأبواء) وتركته يتيم الأبوين، وفي الثامنة توفي عبد المطلب جد النبي وكفيله، وترك كفالته الى أبي طاب عمه، وكان بمثابة والده لحبه الشديد له، ورعايته الخاصة له، وكان يصطحبه في تجارته الى اليمن والشام وفي إحدى رحلاته للشام، مرَّ على صومعه فيها راهب اسمه (بحيرا) فأخبره: بأنه نبي آخر الزمان فأعجب به من كان في القافلة وقص على الناس تلك السفرة فاشتهر أمرة بعد تلك الحادثة ثم أخذت عظمة النبي (ص) تزداد وتنتشر بعدما هدم السيل بنيان الكعبة الشريف فاختلف رؤساء القبائل حول وضع الحجر الأسود في مكانة فقالوا: «نحتكم لمن يدخل علينا أولاً من هذا الباب فأطل النبي بطلة الشريفة فقال أحدهم هذا الأمين قد رضينا به حكماً، فأمر النبي محمد (ص) بأنْ يؤتى بثوب وتناول الحجر بيديه الشريفتين ووضعه على الثوب.. ثم أمر بأنْ يتسلم كل -رئيس قبيلة- بطرف منه ثم رفع الحجر ووضعه في المكان المخصص له فحفظ حقوق القبائل».
 
دور أبو طالب وخديجة
ثم بدأ دور النبي بالتجارة مع كفيله أبي طالب؛ وكانت خديجة ذات تجارة كبيرة ورغبت بالزواج من النبي وهو في الخامسة والعشرين من عمرة، وقد كان العالم في تلك المرحلة المظلمة في أمس الحاجة إلى نبي لهداية البشرية؛ ودعوتهم لدين الحق لذا كان المصطفى يمثل العودة للديانة التوحيدية الإبراهيمية ؛ لقد كان النبي العظيم رمزاً للأخلاق والعفاف والموحد المخلص والعارف للحق والمُجسد للعدل والمتمثل بالذوبان والإخلاص للحب الإلهي والإخلاص للعقيدة من أجل إنقاذ الإنسانية من العنف والفساد والرذيلة والشر، فجاءت شخصيته أنموذجيَّة في طرحها الفكريّ، والتربويّ والأخلاقيّ، وقاد ثورة جذرية في الإصلاح الاجتماعي والمثل النبيلة وقيم الطهر والخير والفضيلة، ورد على كل مفاهيم الجهل والضلالة والفساد والرذيلة وعبادة الشهوات، فجاءت تلك المنظومة الأخلاقية والأطروحة الإلهية لحقوق الإنسان ببث منظومة فكرية ومعرفية جديدة تؤمن بقيم الحب للمرأة ومكانته الطبيعية الأسرية ومكانتها التربوية في التنشئة الاجتماعية، بعدما كانت تُؤد وتهان كرامتها، أما الطرح النبوي الشريف بأنْ أوصى أحد الأعراب والأمة بأسرها والإنسانية جمعاء قائلاً: (براً أمك ثم أمك ثم أباك), (والجنة تحت أقدام الأمهات) ثم قام بالبناء الأسري على أساس الاحترام وقدسيَّة العلاقة الروحية والعلاقة بين الأبناء في بر الوالدين، كما ورد في القرآن الكريم (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا أياة وبالوالدين إحساناً) والمسؤولية الجماعية (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) وكان يوصي المجتمع على حب القرآن وتلاوته (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وطلب العلم والتعلم (أطلب العلم من المهد إلى اللحد).
 
إرساء قيم الأخلاق
النبي العربي القرشي الهاشمي الذي بعث لإتمام مكارم الأخلاق وهداية الإنسانية وإنقاذها من ظلمتها، يعترف بهذا الفضل مختلف الكتاب والمفكرين من كل الأديان والطوائف والمعتقدات، فمثلا يقول الكاتب الساخر برناتشو:  «لو خرج محمد الآن لحل جميع مشكلات الأمم المتحدة وهو يرتشف فنجان قهوته». وقد وضع مجموعة من الكتاب المفكرين والنصارى اسمه على لائحة أفضل (100) شخصية في تاريخ البشرية.
فالأخلاق المحمدية التي صدح بها القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار بأنها مثالية، وفي منتهى الكمالات الأخلاقية، والنفسية. (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزاً عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، كذلك جاءت الشواهد القرآنية والنصوص بخلقه الرفيع (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضاً غليظ القلب لأنفظوا من حولك).
التربية الروحية والسلوكية والمجتمعية التي سعى لإرسائها سيدنا المصطفى تُعبر عن جنبة أخلاقيه سلميه تؤمن بالتعايش بين الجميع ولا تؤمن بالعنف والقتل والدماء سار تحت رايتها ولوائها ثلة من الأصحاب النجباء فأصبحوا رموزاً للإنسانية كـ (عمار بن ياسر، وأبي ذر الغفاري، والمقداد،وأصحاب بدر) ومن شارك مع المسلمين للجهاد في سبيل نشر الإسلام وفضائله، وحين تمسك المسلمون بدينهم فتحوا العالم ونشروا قيم الحق؛ وحين تخلوا عن تعاليم دينهم أصبحوا طعاماً لكل شذاذ الآفاق من المستكبرين والطواغيت فعندما تركوا وصية القرآن (ما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنة فانتهوا) دخلوا في الأنحطاط الحضاري، ودبَّ الضعف في أوصالهم، وتقطع الجسد إلى أجزاء متناحرة، وبدأ التكفير من ظهور الخوارج الى يومنا بالحركة الوهابية التي تشيع ثقافة القتل والعنف في بلاد المسلمين وتجاوزوا على كل الشعوب بالقتل والتفجير والإرهاب، ورغم كثرة المسلمين العددية فتشير الإحصاءات الى وصول عدد المسلمين إلى أكثر من مليار ونصف المليون من المسلمين يقطنون العالم، لكنهم غثاء كغثاء السيل وتتداعى عليهم الأمم من كل حدب وصوب.
 
النبي والوصية
إنَّ التمسك بالسنة النبوية المطهرة التي هي أقوالٌ وأفعال وتقريرات الحبيب الخاتم المعصوم تؤدي إلى جادة الصواب والحق وكلما تبتعد عن سنته ومنهجه تسحق الأمة وتتجزأ، وتندحر، وهذا ما يتمناه أعداؤها (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، لقد أكد المصطفى سداد وصلاح ونجاة المسلمين بوصيته في غدير خم في حجة الوداع وبعد نزول آية التبليغ «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وإنْ لم تفعل فما لغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين» فاطمأن الرسول الاعظم بذلك الامر وبلغها للمسلمين ولما اخذ البيعة للامام علي «ع» نزلت الآية الشريفة ((اليوم اكملت لكم دينكم وأتتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)).
ونحن نمر بالذكرى العبقة لسيد البشرية الحبيب المصطفى علينا أنْ نتعلم من مُثله ومبادئه وسنته السير بطريق الحق وحب الوطن والنزاهة بالعمل.. جنب الله الأمة شر كورونا وهذا الوباء الفتاك والفرقة والاختلاف، يجمعنا التوحيد ورسالة المصطفى الحبيب «ص».

قضايا واراء


Banner