متاعب الفلسفة

السبت 17 تشرين أول 2020 197

متاعب الفلسفة
حسن العاني 
 
منذ عصور بعيدة تحدث الفلاسفة عن ثنائية الكون الغريبة منذ لحظة انبثاقه الأولى، وتوصلوا الى اكتشافات تعد(مذهلة) في اطار مرحلتها، حيث قالوا إنَّ تلك الثنائية ليست متناقضة ولكنها متكافئة، وليست متناحرة وإنْ بدت في بعض الأحيان كذلك، لكونها من حيث الجوهر أساس كل شيء، وسبب البقاء والفعل والنمو والتطور، وزعموا مزاعم جميلة في مقدمتها أن هذه الثنائية الكونية تكمل بعضها البعض الآخر، ولا تُعرف الأولى الا بالثانية، ولا الثانية الا بالأولى، وهي سنّة في الطبيعة والحياة والمجتمع.
إذاً هذه هي الصورة، ذكر وانثى، حق وباطل، سلم وحرب، ماء ويابسة، ظالم ومظلوم، حلال وحرام، وما كان لنا أن ندرك معنى النور لولا الظلمة، غير أن هذه الثنائية على ما ذهب الفلاسفة يمكن أن تكون اثنتين في واحدة، فالإنسان والحيوان والنبات او باختصار كل كائن حي يحمل في داخله هرمونات ذكورة وأنوثة، يتغلب أحدها على الآخر، وقد تكون متكافئة متعادلة، وفي هذه الحالة يسهل على الجراح الماهر تحويل الذكر الى أنثى، وبالعكس(على حسب الرغبة)، فيصبح السيد فاضل مثلا السيدة فضيلة، او الآنسة جميلة الى (الانس) جميل !! وفي حياتنا الكثير على هذه الشاكلة، فالبدلة الانيقة التي ترتديها جنابك بحكم منصبك الرفيع في أشد أيام الصيف حرارة(منصبك بالطبع لا يسمح للكهرباء أن تنقطع في منزلك او مقر عملك)، هي مما ينطوي تحت الاثنتين في واحدة، او الاثنتين في واحد، فسواء اشتريتها جاهزة عبر استيرادها من أرقى محال الاقمشة في لندن، ام قمت بفصالها عند أرقى محل للخياطة في بغداد، لاتخرج في الحالتين عن كونها(بدلة)، أي انها اثنتان في واحدة.
الفلسفة على العموم وافكارها ولغتها متعبة وتوجع الرأس، لذلك سأحاول تقريب مفهوم او فكرة الاثنتين في واحدة الى الاذهان، مستشهداً بأنموذج حي معاصر شديد الوضوح، وهو الديمقراطية في العراق، اذ من المعروف إنَّ مفهوم الديمقراطية في المصطلح السياسي واحد، ولكن هذا المفهوم الواحد له صورتان او ديمقراطيتان، الأولى مستوردة تشبه البدلة الجاهزة المستوردة من لندن او فرنسا، وقد ثبت فشلها عند التطبيق، لأنها لا تلائم أجواءنا ولا تناسب ظروفنا وتتعارض مع الكثير من عاداتنا وتقاليدنا وتربيتنا، وهي غريبة تماماً على وعينا، ولذلك تمّ تجاوزها وتركناها لأصحابها، اما الثانية فديمقراطية خاصة بنا، وهي تشبه البدلة المحلية، ويلاحظ أن كلتا الديمقراطيتين تنطلقان من جذر واحد ومفهوم واحد، ولكن الثانية هي الأنفع والاجدى للعراق، على الرغم - مع شديد الأسف- انه تم اعتمادها وتطبيقها و(فصالها) على أذواق ورغبات وقامات الأحزاب المتنفذة في البلد! 
وبمناسبة الحديث عن هذا الموضوع، لا يجوز بالطبع غض النظر عن الديمقراطية التي يتمتع بها أبناء الشعب، فهم يمتلكون حق التظاهر ورفع اللافتات والاحتجاج والهتاف، من دون أن يمنعهم أحد أو يعترض عليهم او يسمع صوتهم!