فنُّ العُزلة

الأحد 18 تشرين أول 2020 114

فنُّ العُزلة
   عائشة حبيب
   ترجمة: جمال جمعة
 «في الأمسيات الرومانسية الحقيقية مع نفسي، أقوم برقص السالسا مع حيرتي الشخصية»، يقول سبيد ليفيتش في فيلم الرسوم المتحركة السريالي (حياةٌ يَقِظة) الذي أخرجه ريتشارد لينكلاتر عام 2001. هذه الجملة هي استعارة مؤثّرة للرقص بين عقولنا وأرواحنا. عندما ننغمس في أعماق أنفسنا، ماذا نجد؟ حالما نواجهها، فإن الفوضى المشوِّشة لوحدتنا تتعطل فاعليتها منذ البداية. لكن ثمة سحر في أن تكون وحيدًا بشكل مريح.
الجلوس في عزلة أفكارك الخاصة هو فنّ، عندما يتمّ ذلك عن قصد. مثل الطبيعة، التي تتسلل وحشيتها مرة أخرى عندما يتلاشى النشاط الإنسانيّ، يمكن للأرواح أن تنمو بلا ترويض عندما تكون حرّة من التشتت الاجتماعي. لكن، فنّ أن تكون وحيداً يسير على خط رفيع بين العزلة المقصودة والعزلة المنكفئة. العزلة هي المَثَل الرومانسي الأعلى، كعاطفية كاسبر ديفيد فريدريش في عمله «هائم فوق بحر الضباب». العزلة باردة، كآبة تصوير إدوارد هوبر للوحدة الحديثة. ومع ذلك، فكلاهما تعبيران جميلان وحميمان لما يعنيه أن تكون إنسانًا ووحيداً، ووحيداً وإنساناً.
فنسنت فان كوخ، رجل العزلة الناعمة والتعاطف الضاجّ، كتب في رسالة إلى والدته ذات مرة: «بالنسبة لي، قد تستمر الحياة في العزلة. لم أدرك أبداً أولئك الذين كنت أشدّ ارتباطاً بهم سوى من خلال زجاج، على نحوٍ مظلم». يكشف عمل فان كوخ عن شخصيته الرقيقة، وحبه للناس، وضراوته الهادئة تجاه الحياة، ومع ذلك فهو حتى في خضم وحدته فإنه يشعر بعمق شديد. في العزلة، يجد المرء نفوراً متناقضًا للمجتمع، وفي الوقت نفسه، فهمًا حميمًا للطبيعة البشرية.
بالنسبة لمفكّرين مثل دي مونتين وجان جاك روسو، فإن العزلة هي وعاء للقناعة الداخلية. في كتابه (هواجس المتنزِّه المنفرد بنفسه)، يتخلى روسو، في غمرات أزمة منتصف العمر المأثورة، عن العالم «وخيلائه» ويستدير عوضاً عن ذلك إلى الحياة وحدها في «هدوء غير مكترث». يكتب: «وحيدًا مع نفسي، راضيًا مع نفسي وأستمتع بالفعل بالسعادة، التي أشعر أنني أستحقها ... حب الذات وحده ناشط في كل هذا، الحب الذاتيّ ليس له أي دور». حب روسو للذات (أي احترام الذات) موجود في عزلته؛ في حين أن الحب الذاتي، الحب الذي تحركه الأنا، لا يلعب دورًا في التوق إلى العزلة.
يقول دي مونتين إن عقولنا هي مصدر استيائنا وعلاجه على حد سواء. «داؤنا يكمن في العقل، والذي لا يمكنه الهروب من نفسه. ومن ثم يجب استدعاؤه إلى البيت واحتجازه في داخله: هذه هي العزلة الحقيقية...»، كما يكتب في مقالته (عن العزلة) في عام 1580. إن تحويل نفسك إلى بيت، حيث ترحب بنفسك برفق، هو السبيل لإيجاد السلام في الداخل.
ومع ذلك، فالوحدة، الخواء البارد في الداخل، هي مبدأ لا مفر منه للحالة الإنسانية. إن جمال الوحدة موجود في ألفتها الكئيبة. كتب ج. سكوت فيتزجيرالد في روايته (غاتسبي العظيم): «كنت أشعر بوحدة مؤثّرة في بعض الأحيان، وأشعر بها عند أشخاص آخرين ـ كَتَبةٌ شبان عند الغسق، يبددون أشدّ اللحظات عاطفيّة في الليل والحياة». العزلة تحمل طعماً حلواً مُرّاً معيّناً حينما يعرف المرء أن الآخرين يشعرون بذات الخواء.
إن القدرة الإنسانية على الحب هي أمرٌ غير عادي، ويمكن قياسه بمدى عمق وحدتنا. إن الشعور بالوحدة، إذن، هو مجرد تذكير بمدى الحب الذي يكمن في داخلها.
عن NUVO