الورقة المملوءة

الأحد 18 تشرين أول 2020 376

الورقة المملوءة
ياسر المتولي
 


الآن وقد أنجزت الورقة البيضاء وقدمتها الحكومة الى البرلمان، ويبدو أنَّ الورقة مملوءة وليست بيضاءً.. كيف؟
لمن يتتبع جدولة تنظيم الورقة يجدها حقاً متكاملة من حيث الشكل وبمثابة خطة ستراتيجية لإنقاذ اقتصاد البلد وموزعة وفق النظرية الاقتصاديّة الأساسيّة في مضمون الخطط الاقتصاديّة التي تنقسم الى ثلاث خطط أولها خطة قصيرة الأجل وأمدها سنة تقويميَّة وثانيها خطة خمسيّة متوسطة الأجل وأمدها خمس سنوات وثالثها خطة بعيدة المدى وأمداها ربع قرن.
وهناك بعض الملاحظات التي تؤخذ على مضمون الورقة، فبينما سميت هذه الورقة (التقرير النهائي لخلية الطوارئ للإصلاح المالي) فكان الأجدر تسميتها (التقرير النهائي للإصلاح الاقتصادي) نظراً لشموليتها في وضع الخطط الستراتيجية والإصلاح المالي جزء من الاصلاح، وحتى التطرق إليه لا يُوحي بتخصص الورقة.
وهناك مآخذ أخرى سنأتي عليها في سياق هذا العمود الصحفي أو في عمودٍ لاحقٍ.
حسناً ما المطلوب الآن فعله؟
ابتداءً لا بدَّ من البدء بالخطة القصيرة وهي الأهم كونها بداية المشوار والسعي لبلوغ أهداف الخطة الاقتصادية الستراتيجية للبلد .
من الواضح أنَّ مضامين الورقة البيضاء ستدعو البرلمان لإقرارها لأنها حددت وبكل وضوح معالم التحديات وأوضحت بشفافية عالية واقع حال الاقتصاد كما هو ومن ثم قدمت حلولاً حقيقيّة لا يمكن إغفالها وصيغت بأفكارٍ اختصاصيَّة واضحة من أجل ذلك أطلقت عليها تسمية الورقة المملوءة.
التحدي الأهم الآن مع بداية تنفيذ الإصلاحات الموجودة ضمنياً في جوهر الورقة ألا وهو كيفيّة معالجة توفير الإيرادات اللازمة لسد الاحتياجات الضروريَّة والمتمثلة بالرواتب وأساسيات المعيشة خارج المورد النفطي ذلك لأنَّ تذبذب أسعار النفط ليس لها نهاية إلا مع نهاية جائحة كورونا.
معنى ذلك أنَّ جل تركيز الخطة قصيرة الأجل سيتركز على السعي لتنويع مصادر الدخل وذلك من خلال السيطرة على إيرادات الكمارك وضبط جباية الضرائب وعائدات الشركات المنتجة ومن جانب آخر ضغط النفقات العامة وترشيد الاستهلاك الى جانب ذلك اتباع سياسة تقشفية في بادئ الأمر.
وتعدُّ الخصخصة وسيلة فاعلة لتوفير الإيرادات الكبيرة وهنا تعني تصفية بعض الشركات الخاسرة والتي تكلف الميزانية مبالغ خيالية من دون جدوى اقتصادية وكذلك تشجيع الاستثمار الخاص لإعادة الحياة للمصانع المعطلة (الإصلاح الصناعي) الذي لم يأخذ مساحة تتسق بأهميته كون الصناعة المصدر الأقوى في توليد الموارد، فضلاً عن تفعيل قانون حماية المنتج الوطني وبما يوفر فرص عمل للكثير من الأيادي العاملة العاطلة عن العمل.
وهناك مصدرٌ آخر يسهمُ في حل مشكلة الإيرادات وهو العمل على عودة رؤوس الأموال المنهوبة وضرب مكامن الفساد والإسراع في حسم هذا الملف.
وبالتزامن مع هذه الأولويات لا بدَّ من توجيه الإيرادات النفطية مستقبلاً نحول استثمارات ذات جدوى اقتصادية تساعد في تكملة الإصلاحات الاقتصادية، علاوة على إنشاء صناديق سياديَّة تكون صمام أمان في أوقات الأزمات الصادمة . هل تستطيع الحكومة تنفيذ مضامين وأهداف ورقتها المملوءة؟ الجواب نعم في حالة واحدة فقط ألا وهي تكاتف وتضافر الجهود ودعم السلطات التشريعيّة والقضائيّة والسلطة الرابعة لمحاولات الحكومة التنفيذ الدقيق لخطواتها . بالمقابل تحتاج الحكومة صبر المواطن وإعطاءها الفرصة لإنقاذ اقتصاد البلد من محنته العسيرة .
نراقب لنرى كيف ستجري الأمور وللحديث بقية.ـ