النظام الإداري في المدرسة العراقية القديمة

الأربعاء 21 تشرين أول 2020 104

النظام الإداري في المدرسة العراقية القديمة

   أ.م .د ميثم عبد الكاظم جواد النوري 

على الرغم من أنه لايعرف على وجه التحديد الوقت الذي بدأ فيه نظام المدارس في العراق القديم، إلا أننا يمكن أن نقول إن ظهور المدرسة وبداية التعليم ارتبط بظهور الكتابة في الألف الثالث قبل الميلاد، ذلك الاختراع الذي كان له الأثر الأكبر في عملية ونشر الثقافة والعلوم وفي تقدم الحضارة السومرية، فمن جملة الوثائق التي عثر عليها في مدينة اوروك السومرية والتي يعود تاريخها الى ذلك العهد، ألواح تضم جداول دونت بكلمات لغرض التمرين والدرس.

وهذا يعني ان الكتبة كانوا يفكرون بعقلية وبطرق التعليم والتدريس، وفي النصف الاخير من الالف الثالث قبل الميلاد بلغ نظام المدرسة السومرية طور النضج والازدهار، اذ كشفت لنا التنقيبات عن عشرات الألوف من ألواح الطين ذات الطابع الاداري تناولت جميع اوجه الحياة الاقتصادية عند السومريين، وتبين من خلالها كثرة الكتبة الذين كانوا يمارسون مهنة الكتابة، واتضح انهم كانوا على أصناف ودرجات، فمنهم الكتبة الصغار المبتدئون، ومنهم الكتبة الملكيون، وكتبة المعابد، وكتبة من ذوي الاختصاص ببعض النواحي الادارية، ومع ان تلك الالواح لم توضح لعلماء الاثار المختصين كيف كان نظام المدرسة السومرية وادارتها والطريقة التي كانت تسير عليها في ذلك العهد، الا انها كانت تقف دليلا على ان المدارس كانت مزدهرة في جميع انحاء 
البلاد.
ومهما يكن من الامر فإن التنقيبات الأثرية كشفت لنا عن ان المئات من الالواح المنقوشة بمختلف انواع التمارين المدرسية والتي يعود تاريخها الى نصف الالف الاول من الالف الثاني قبل الميلاد إنما كانت تهيأ من قبل الطلاب كجزء من اعمالهم المدرسية اليومية، وان خطوط تلك الالواح كنت تختلف من حيث الدقة والمهارة، فبعضها كان مدوّنا بخط رديء ولعله كان ممن يكتبه المبتدئون، وبعضها كان مكتوبا بخطوط منتظمة تدل على ان صاحبها كان على وشك الانتهاء من 
دراسته.
وردت لفظة مدرسة في اللغة السومرية بصيفة (آيدوبا) (EEDUB.BA)، وباللغة الاكدية (بيت طوبي) (BIT-TUPPI) وتعني بيت الالواح، والواقع ان الهدف الاساسي للمدرسة السومرية وفي جميع عهودها هو حرفي او مهني بحت محدد بتعليم القراءة والكتابة، ليتم من خلالها إعداد كتّاب متخصصين بتدوين الوثائق المتنوعة والمراسلات في المعابد وقصور الملوك والامراء، وسد ما تحتاجه المدن في هذا الجانب مع النمو الكبير الذي تشهده والمتزامن مع التطور الكبير الذي واكب طبيعة الحياة فيها (كريمر، ص)، وبمرور الزمن ونتيجة لانتشار الكتابة والعلوم والمعارف انتشرت المدارس بشكل واسع في العصر البابلي القديم (أوائل الالف الثاني قبل الميلاد)، إذ ظهرت المدارس الرسمية التي كانت تحت إشراف الدولة والمعبد 
ايضا.
ويقوم على تنظيم المدرسة وادارتها عدد من الموظفين يقف في مقدمتهم مدير المدرسة الذي يسمّى باللغة السومرية (اوميّا) (UMMIA) اي الخبير او الاستاذ، كما يسمى أيضا بـ(آيا أيدوبا) وتعني (أبو المدرسة)، وكان يحظى باحترام وتقدير كبيرين، فقد جاء في احد مدائحه (الاستاذ هو الإله الذي يبني الانسانية)، وكان واجبه، إدارة المدرسة ومتابعة نظامها، ووضع مناهجها التعليمية حسب مراحلها الدراسية، ومتابعة عمل المعلمين والاشراف على اختبار التلاميذ الذي سيؤهلهم للانتقال الى مرحلة دراسية 
أعلى.
أما التلميذ فكان يسمى (دومو آيدوبا)(DUMU EE.DUBBA) وفي الاكدية (مار بيت طوبي) وتعني في كلتا اللغتين “ابن المدرسة”، او “ابن بيت الالواح”، وكان ايضا يتمتع بمكانة محترمة في المجتمع،  وان الاستاذ كان يدعو تلامذته بـ (ابنائي).
أما المعلم او الكاتب فيعرف بالسومرية (دوب سار) وفي الاكدية (طوب سارو) او (طوب شارو)، ومهمته تشبه الى حد كبير مهمة المعلم في الوقت الحاضر، اذ كان يتولى مهمة الاشراف المباشر على تدريس التلاميذ وتلقينهم الاصول الصحيحة للكتابة والقراءة وباقي العلوم الأخرى وفق المناهج الدراسية التي تعدها ادارة المدرسة والنظام التعليمي المتبع آنذاك، تارة بالشدة والقسوة، وتارة اخرى بالمديح والاطراء، كما كان للمعلم دور مهم في توجيه التلاميذ وتفسير معاني الكلمات او المصطلحات والعبارات وكيفية نطق اصواتها شفاهيا ثم تدوينها كتابيا، وكان هؤلاء متعددي الاسماء حسب تخصصاتهم والعلوم التي يدرّسونها، اذ يقال في السومرية معلّم الحساب (دوب سارنيشيد)، ومعلم اللغة السومرية (دوب ساركياينكيرا) ومعلم اللغة الاكدية (دوب سار
كيآوري). 
كان يساعد المعلم في عمله المتعب (المعلم المساعد) وفي اللغة السومرية (شيشكال)(SHESHGAL) ويعني (الأخ الكبير) وهو في الغالب من احد التلاميذ في مرحلة متقدمة من الدراسة تناط به كجزء من تدريبه مهمة متابعة التلاميذ الجدد وتعليمهم كيفية اعداد ألواحهم الطينية، وتدقيق واجباتهم اليومية، وكذلك الاستماع منهم الى كيفية قراءتهم للكلمات والعلامات المسمارية بشكل صحيح.
كما ضم ملاك المدرسة عددا من العرفاء او المرشدين تناط بهم مهمة متابعة مواظبة التلاميذ على الحضور، مثلاً (مراقب الباب) ومهمته منع التلاميذ من الهرب من المدرسة، و(مراقب الحضور) وهو المسؤول عن تدقيق حضور التلاميذ يومياً ومعرفة المتغيبين منهم لرفع أسمائهم الى مدير المدرسة، و(مراقب الهندام والنظافة) ويكون واجبه التفتيش اليومي لملابس التلاميذ وهندامهم ونظافتهم ومدى لياقتها للمدرسة، وهناك أيضاً (رجل السوط أو رجل العصا) الذي تناط به مهمة حفظ النظام ومعاقبة 
التلاميذ.
ومما يجدر ذكره أن النظام التعليمي في المدرسة العراقية القديمة لم يكن على شيء مما يمكن تسميته بالتعليم الحر التقدمي، فغالبا ما يلجأ المعلّم الى العقاب البدني باستخدام العصا للحفاظ على النظام ومنع التلاميذ من احداث الشغب والفوضى، وايضا لحث التلاميذ المهملين والمقصرين في أداء واجباتهم على الاجتهاد، وبالمقابل فإن التلاميذ المجتهدين كانوا ينالون عبارات المدح والإطراء.
أما أجور اولئك المعلمين فكانت تحدد من قبل مدير المدرسة حسب كفاءة المعلم وخبرته، وتلك الاجور يستحصلها المدير من ذوي 
التلاميذ. 
وهذا يعني ان التعليم لم يكن عاما ولا إلزاميا، فكان معظم التلاميذ هم من الأسر الغنية القادرة على تغطية نفقات الدراسة التي تستغرق سنوات طويلة ممن يرغبون في تكملة تحصيلهم العلمي، وعلى الرغم من ان معظم المتعلمين كانوا من الذكور الا ان المرأة كان لها حظ ولو قليل من التعليم، فظهرت بعض الكاتبات الجيدات ومعظمهن من الكاهنات وبنات الأمراء 
والملوك.
ولم تكن حياة الطالب في المدرسة بالامر السهل اليسير، فكان عليه ان يواظب على دروسه في المدرسة يوميا من شروق الشمس الى غروبها، أما مدة الدراسة فكانت طويلة فالطالب يلازم المدرسة منذ صباه الى ان يصبح شيخا، ونظام المدرسة يتطلب فترة تحضيرية تتخللها الامتحانات لبيان كفاءتهم وجهوزيتهم للانتقال الى مرحلة جديدة، ومدير المدرسة هو من يقوم بتلك الامتحانات بنفسه، فهو من يضع الأسئلة ويدقق الاجابات، وهو بعدها من يقيّم مستوى الطالب سلباً أو ايجاباً، من دون أن يكون للمعلم أي دور في ذلك، أي بأسلوب قريب الشبه بنظام الامتحانات الوزارية في وقتنا الحاضر، وكان الطالب على مدى سنوات دراسته الطويلة لا يحصل على أي مرود مادي يعينه في العيش إنما يكون خلالها معتمدا كلياً على ذويه، لكن النظام المدرسي كان يجيز للطالب التمتع بعطلة مدتها بحدود شهرين ونصف الشهر موزعة على امتداد العام بمعدل ستة أيام لكل أربع وعشرين يوم دراسة.
 جامعة بغداد –كلية الاداب