حين تكون المخيّلةُ مدينةً

الخميس 22 تشرين أول 2020 206

حين تكون المخيّلةُ مدينةً
نازك بدير*
 
تأخذك قصيدة الشاعر زعيم نصار، بعنوانها المتكون من جملة شعرية، تشتمل على بؤرة متبلورة، ومضة مستقلة، كأنها نتيجة نهائية لقصيدة طويلة هو (من على ضفاف دجلة- أنا غريقٌ فيكِ وأنت زورق نجاتي) في رحلة بانوراميّة من فوق مآذن بغداد ومناراتها، وأبوابها وجسورها، يغوص تارة في أعماق دجلة، وتارة أخرى تحلّق معه ساجدا أمام هيبة تاريخٍ غزَلَته الأسماء التي طافت في أروقة الحضارة، فدارت حول رؤوسهم النجوم، تاريخ أصداؤه لا في الشّعر وحسب، إنما في الفلسفة والطّبّ والمنحوتات وشتى أنواع الفنون.
لعلّ التّيمة الأساس في هذه القصيدة هي الاستدارة، وكأنّ الشّاعر، من حيث لا يدري، استوحى البناء الدائري لقصيدته، من تخطيط مدينة بغداد المدوّرة، وبنى نصّه على أساسها، فجاء بناء القصيدة وتكنيكها دائريًّا، وكأنّها حلقات متداخلة، الواحدة ضمن الأخرى، لنحصي فيها ست دوائر، لكل دائرة مركزها ومحيطها، حسب عدد المقاطع التي تكونت منها القصيدة، وبذلك نكتشف تحولات التجربة بمعانيها وأحداثها المختلفة، لتشكّل في بنيتها العميقة رؤيةً كليّةً عن مدينة، كأنها قابلةً لتوليد جمالياتها، واستمراريتها في الحياة.
 كما تظهر صورة الاستدارة في» عينيها المدوّرتين»،»التفاحة»،»اللؤلؤة»، « فمك تينة»(كلاهما مستدير)» عشّ للعصافير» متتاليات من المفردات التي تحيل إلى الأشكال المستديرة، لتكتمل مراكز الدوائر في القصيدة وصولًا إلى الصّورة الأخيرة:» حتى أن القصيدة تجعلك تشعر ان الحياة في هذه المدينة مدورة، وكأن كل حركة فيها تدور حول نفسها، فأصبحت هي الكتاب المضيء» فاكتملت بذلك الدائرة الكلية المركبة من ست دوائر، والتي كانت بدايتها في مطلع النص:» وجدتُ اسمكِ في كتابٍ مخطوطٍ للعشّاق العميان « هي من ترد البصيرة والبصر،  وشّفاء للتائهين فيها، ربما الاسم وحده كفيل بفكّ الرّموز، وكشف المخبوء، وكأنّ اسمها هو الشّيفرة في كتاب» الاسم الأعظم» أو كأنّه الاسم الذي فيه الشّفاء للعميان. لا يكتفي الشّاعر باستحضار تاريخ بغداد، إنّما يحشد صورة النّبيّ الذي يبرئ العميان بكلمة منه(عيسى) لترتسم المدينة المرأة والأمّ المقدّسة.
ولعلّ هذه الصورة الدائرية تكتمل بقوله: ليست مجرّد شرفة على العالم، بل هي النّوافذ والعيون، حضورها نافذته البيضاء، في صوتها يكمن سرّ رؤيته للعالم موجهاً جعل منه مرئيًّا».
فتتحوّل معه القصيدة الى مجموعة دوائر متقنة تشبه دوائر عالم الرياضيات إقليدس، لتتجلّى امرأة بأقراط مستديرة، مزدانة بحلى دائريّة، صفّتها حول عنقها، زيّنت بها ذراعيها ومعصمها، وكأنّها إحدى الآلهة، تنبثق من نهر دجلة لتبارك المدينة المدوّرة، وتبثّ الحياة في أبناء عصفتهم أهوال الحرب.
وبعد أن تصطحبنا الصور في أمواجها وصخبها، ثمّة سمة تجمع في ما بينها، أنّ الاستدارة والالتفاف تؤلّف بين دوائر الصّورة الخصر والاستدارة، حركة الموج والاستدارة، تستدير في مختلف الاتجاهات مثل البوصلة، حتى «الجمرة تستدير في المنعطف» وكأنّه لا يكتفي بالفعل تستدير إنما يكمل هذا الفعل بمنعطف ما يتكامل مع صورة «حرف الواو» الذي تكرّر في القصيدة أكثر من مئة وأربعين مرة، هو الحرف الأوّل في النّصّ، وكأنّه يسندها، ويحتوي في تكوّره ما سيرد في المقاطع، يمهّد الطّريق لها، ينساب الكلام من خلاله على يديه كالأم التي تحمل طفلها بين ذراعيها، رسْم هذا الحرف يشير إلى حالة التكوير، والحالة الجنينيّة، والاحتضان ولعلّها الحالة التي تربط الشّاعر بمدينته.
تفصح قراءة المعجم اللغوي عن حضور طاغٍ للمياه، أصل الحياة:» غسلت، جدول، موجة، غرقت، ضفاف، دجلة، الموج، رست، ينبوعي الأنهار، أغسل، الممطرة».
التّعمّد بمياه دجلة هو الكفيل بالتّطهّر، والخروج إلى الحياة هذه الطقوس، طقوس الغسل في مياه النّهر تأخذنا إلى الغانج، كذلك في نهر الأردن عيد الغطاس، معموديّة المياه، وقدسيّتها، رمزيّة الغرق فيها، وأن تغرق المدينة فيك، في الآن نفسه، هذا الاتّحاد بين الشّاعر والمدينة يصوّر بغداد الأمّ، الرّحم حيث هي الموئل الأوّل، الحضن الذي كان يحتضنه قبل الولادة، والعلاقة بينهما على امتداد القصيدة، هي علاقة اتّصال واتّحاد لا انفصام بينهما هما متّحدّان حتّى في حال الغرق، تمامًا كما هو حال المخاض والولادة غالبًا ما يحدق الخطر بالجنين والأم معًا حيث بلغ الاتحاد درجة أنّه من خلالها يرى العالم كلاهما من نسغ واحد» من جمرة واحدة».
ولعلّ ما يستحقّ التّوقّف عنده هو ظاهرة عدم الاكتمال من دون وجود الآخر، بمعنى آخر جعل العراق بغداد سبب الحياة: والصيغ اللغوية والتراكيب تشير إلى ذلك كما الصّور البيانية:» حبّة نصفها في القلب، و نصفها في العراء» /» رأيتــُها تدور حول قلبٍ منشطرٍ إلى نصفين، تدورُ حتى تحوّلتْ الى تفّاحةٍ شاسعة، كأنها موجةٌ تصلُ الى الضفة، وترجعُ الى الكون» /» خطفتني هذه اللؤلؤة، أنا التائه في حبّها، معها ذاع صيتي كصائدٍ للبروق، صرتُ مخطوفها» «.
هل من يعيد رسْم الدّائرة المركزيّة من جديد ليخضّرّ» قلب بغدّاد»، وتنفتح على العالم بفخامتها؟ لقد شيّد الشاعر زعيم نصار بقوى خياله هذا المكان الفريد، بوصفه استعارة لها جذورها العميقة في أعماق المدينة والمرأة كرمزين للخصوبة والولادة، تتولّد منهما دائرة كبرى تمحو بأصالتها بقعة» خضراء هجينة». 
 
* أكاديميّة لبنانيّة - القصيدة منشورة في صحيفة الصباح  العدد 4942 الأثنين 12/تشرين أول/ 2020