توظيف المرآة بين علم النفس والشعر

الخميس 22 تشرين أول 2020 120

توظيف المرآة بين علم النفس والشعر

بغداد: أ.د.نجاح هادي كبة

 
 
وظفت المرآة في علم النفس كوسيلة للعلاج النفسي وبناء الذات وتكوين الشخصية ويأتي العالم الاميركي ثورندايك(1874 – 1949) من اشهر المهتمين بهذه الوسيلة للعلاج النفسي، فقد اكتشف ثورندايك قانون الاثر واستعمل في ميادين تربوية عديدة وفي علاج المصابين بالامراض النفسية كقضم الأظافر وذلك بالوقوف امام المرآة لتترك اثرا سيئا فيهم فيقلعون عن هذه العادة، يقول، د. جابر عبدالحميد جابر( يشير قانون الاثر الى تقوية الارتباطات او اضعافها نتيجة على ما يترتب على حدوثها من نتائج، فاذا تكوّن ترابطا، فإنه يزداد قوة اذا ما صحبته او لحقت  به حالة عدم رضا وارتياح ويضعف اذا ما اقترنت به او لحقت حالة عدم رضا وضيق، وقد استخدم ثورندايك كلمة رضا بمعنى موضوعي خاص، فحالة الرضا هي الحالة التي لا يبذل الكائن الحي، اي محاولة لتجنبها وغالبا ما يعمل على الابقاء عليها ويقصد ثورندايك حين يستعمل كلمة عدم رضا ومضايقة، انها تلك الحالة التي لا يبذل الكائن الحي اي محاولة للابقاء عليها، بل انه على العكس من ذلك يعمل على تجنبها) سيكولوجية التعلم، دار الاتحاد العربي للطباعة 1974 ط2، ص: 220 – 221، ولقد استعمل( لاكان) ( 1901 - 1981) مصطلحات مرتبطة بالمرآة في دراسته لتشكل ذات الانسان وكي نفهم وجهة نظر( لاكان) بوجود ذات منقسمة تكون غير واعية على نحو تام بذلك النشاط الدال الذي يدفع كلماتها ويحركها وقد اقترح  لاكان  وجود مراحل ثلاث مهمة هنا هي: مرحلة ما قبل المرآة، مرحلة المرآة، مرحلة مابعد المرآة، لوصف النمو المبكر للطفل ثم المراهق والراشد ولتحولاته السيكولوجية والابداعية ايضا: 
1 - مرحلة ماقبل المرآة: تمتد هذه المرحلة ايضا منذ الميلاد حتى بلوغ الطفل الشهر السادس، وهنا لا تتوافر لدى الطفل هوية او احساس بالذات ولا شعور، لكنه يستمع الى الكلمات ايضا ويراقب العالم 
حوله.
2 - مرحلة المرآة: وهي مرحلة نرجسية ايضا، وهي تحدث على نمو تقريبي بين سن ستة اشهر وثمانية عشر شهرا وتتميز بوجود بهجة ما لدى الطفل، خاصة عندما يندمج او يتوحد مع شكل انساني كلي يظهر امامه في المرآة، فيحدث فيه وقد يكون شكله هو وعندما يحدث هذا فانه يستمتع بذلك الانعكاس بصورته في المرآة. 
3 - مرحلة مابعد المرآة: يكون الانتقال من النرجسية الى مرحلة الموضوع " الغرابة المفهوم وتجلياته في الادب، د. شاكر عبدالحميد سلسلة عالم المعرفة 2012 ص: 118 – 124، إنَّ تحديق الفرد على شكله في المرآة يخلق له التفكير الذي يساعده على نمو شخصيته يوضعه في التوهم، لكن بدله من الوصول الى النضج، فتنمو شخصيته ويعدل من سلوكه، لاسيما إن سيطرة اناه الاعلى على ذاته، فالانسان ذو طبيعة خيرة وورقة بيضاء قيمتها ما يكتب عليها– كما يقول ماركس– والشعراء جعلوا الاخر مرآة في شعوهم عكسوا عليه ابداعهم الشعري يستبطنون انفسهم من خلاله باسلوب مرآوي وعما تمور به ذواتهم وخواطرهم وعما يتأثرون ويؤثرون فيه في تعاملهم مع العالم الخارجي، فالاسلوب المرآوي في الشعر يخفف كثيرا من الضغط النفسي على الشاعر كما انه يشير الى عدة دلالات والى روح الشاعر الجماعية ومشاركة الاخر وتفاعله معه فالاسلوب المرآوي يصبح وسيلة للتنفيس عن الكبت النفسي ولعمر السراي قصيدة مرآوية بعنوان (c.v) انعكست عليها سيرة الاخر في حين يقصد بها سيرته والعنوان (c.v) يجعل المتلقي يشعر انه يقصد سيرته الذاتية كما يقول فاضل ثامر: اعرفك/ تنأى ممزقا/ بطلاسم جوهرة سعفت مجراتك الموبوءة.. الصلدة/ متساويا مع الريح/ باندمال سكونها/ ومتفوقا.. على هدب الكمنجات باحتراف الفاجعة.." ديوان للدرس فقط، منشورات الاتحاد العام للادباء والكتاب 2010 م ص:1 ولا بد من الاشارة الى قول الامام علي (ع) ( انظر الى وجهك في كل وقت في المرآة فان كان حسنا فاستقبح ان تضيف اليه فعلا قبيحا وتشينه به، وان كان قبيحا فاستقبح ان تجمع بين النقيضين) عبدالرسول زين الدين، النتخب من كلام الامام على في مصادر التاريخ والادب، بيروت– لبنان، ط 1 2011م ص: 423 ومما جاء عن المرآة في الامثال الجاهلية: (انقى من مرآة الغريبة) مايدلل على اهتمام العرب والمسلمين بأهمية المرآة النفسية والاجتماعية لديهم وسبقهم الحضاري في هذا 
المضمار.