من علي الوردي إلى سيد قطب

الخميس 22 تشرين أول 2020 1864

من علي الوردي إلى سيد قطب
د. عبدالجبار الرفاعي
 
 بعض المدن تمكث في ضميرك، إن غادرتها لن تغادرك، إن نسيتها لن تنساك، إن تذكرتها تشعرك بأنها تتذكرك قبل تذكرك لها، تفرض حضورها عليك وإن هجرتها. الشطرة جنوب العراق كانت أفضل مثال لهذه المدن والبلدان المتنوعة التي تنقلت فيها.
بدأتُ فيها أجملَ محطات حياتي، ظلت هذه المدينةُ حيةً مُلهمةً في ذاكرتي، لن تمحو الأيامُ مهما تقادمت أثرَ ثلاث سنواتٍ عشتُها فيها، أحببتُ فيها نفسي وحياتي لأول مرة، بعد ان كنتُ أكره نفسي وأكره حياتي منذ طفولتي، إثر عذابات العيش الموجعة التي تجرعتها بمرارة في طفولتي وفتوتي، أحببتُ: أهلها، ليلها ونهارها، نهرها، العيش فيها.
تعرفت في هذه المدينة على كتابات علي الوردي، قرأتُ الجزءَ الأولَ من كتاب "لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث" سنة 1970 في مكتبتها العامة، وأنا تلميذٌ بدايةَ المرحلة الثانوية، جذبني عقلُه النقدي، وطريقةُ تفكيره، وواقعيتُه، واهتمامُه بالمهمَّش والمهمَل واليومي في المجتمع، واسلوبُه الميسر، وذكاؤه في تفسير الظواهر المجتمعية، وبناءُ فهمٍ مختلفٍ لها، أدقَ وأعمقَ مما هو شائعٌ في الفهم الشعبي الساذج.
  لم أواصل مشواري مع الوردي لعدم عثوري على كتابٍ آخر له في المكتبة العامة، كنتُ أفتقر للمال الذي يمكّنني من شراء الكتب. قرأتُه وأنا بعمر 15 سنة، ندمت لاحقًا لأني غادرتُ مدرسةَ الوردي العقلانية الواقعية، كتابات الوردي كان يمكن أن تثير عقلي، وتستفز تفكيري فتوقظه من سباته، وتوفر عليّ سنواتٍ عديدةً ضائعة في ركام كتابات يتبلّد فيها العقلُ، وتغرقه في
أحلام مثالية، وأوهام عبثية.
  سرعان ما أختطفني "معالمُ في الطريق"، كنتُ معذّبًا محرومًا، وسيد قطب أديبٌ ساحرٌ، يتقن مهارةَ كتابة أناشيد حماسية تعبوية للمراهقين البؤساء أمثالي، تذكي العواطفَ، توقدُ المشاعرَ، تعطّلُ العقلَ، يتوقف عندها التفكيرُ النقدي، وتموت في كلماتها كلُّ الأسئلة، فجأةً سقطتُ في فتنة كتاباتِه، كتاباتُه بارعةٌ في إيقاد أحلام المراهقين الرومانسية، وتغذيةِ أوهامهم باستئناف تجربةٍ متخيَّلةٍ خارجَ الزمان والمكان لـ: "جيل قرآني فريد" كما يسميه، جيلٍ مزعوم، غيرِ موجود إلا في متخيَّل سيد قطب وأمثالِه.
  كانت تغذيني كتاباتُه برغبة الموت، استبدّت فكرةُ الموت بسيد قطب، تشبعت فيها كلُّ كتاباتِه، وظهر أثرُها الكئيب في مشاعر قرائه الشباب الصغار وأنا منهم، ممن صارت غايةُ الدين في ضميرهم الموتَ، شغفوا بالموت إلى الحدّ الذي كرهوا فيه الحياة، واشمأزوا من أهلهم، والمجتمع الذي يعيشون فيه، وكلِّ شيء يحيط بهم. 
  تحتاج كتاباتُ سيد قطب في محطته الإخوانية إلى تحليلٍ سيكولوجي عميق، يكشف عن أثرِ رؤيته للعالَم، وبنيةِ شخصيته، وعقدِه النفسية في توليدِ فكرة الموت ورسوخِها في عقله الباطن، واستبدادِها بتفكيره وفهمِه للدين، وتفسيرِه للقرآن الكريم، وكلِّ النصوص الدينية، وحكمِه الصارم بجاهلية كلِّ شيء في عصرنا، تفشت عدوى هذا الفكرة لأدبياتٍ حركيةٍ لاحقة، استنسخت أكثرها كتاباتِه بلا مراجعةٍ نقدية.
  تشبعت مخيلتي بتلك الكتابات التي تُفقِر العقلَ، وتستنزف المشاعر، فورطتني في أكثر من مأزقٍ في حياتي الاجتماعية، تجاوزتُ أخلاقياتِ الأدب والتهذيب الاجتماعي، إذ كنتُ أجد نفسي وصيًا على عقولِ الناس وسلوكِهم، ساقتني كتاباتُ سيد قطب وأشباهِه لممارسة مهنة حاكم تفتيش عقائد، كرّس ذلك تكويني اللاحقَ كرجل دين، ورجالُ الدين أحيانًا في كلِّ الأديان تأسرهم هذه المهنة، مارستُ هذه المهنةَ مدةً وجيزةً في سبعينيات القرن الماضي، غير أني سرعان ما شعرتُ بالاشمئزازِ والقرفِ من نفسي، كنتُ كأني شرطي وظيفتُه مراقبةُ كلامِ الناس وسلوكِهم، والتلصصِ على ضمائرهم، يومَ كانت معتقداتي تفرضُ قراراتي، تحتكرُ عقلي، تأسرُ تفكيري، تتحكمُ بتقييمي للناس، توجِّهُ بوصلةَ علاقاتي كيف تشاء، كلُّ شيء لا أستطيع رؤيتَه إلا من منظورِ ما تفرضه عليَّ هذه المعتقدات المغلقة، معتقداتي تسبقُ العلمَ، كلُّ ما لا يتوافق معها لا يعدُّ علمًا، تسبقُ الأدبَ، كلُّ ما لا يتوافق معها لا يعدُّ أدبًا، تسبقُ الفنَ، كلُّ ما لا يتوافقُ معها لا يعدُّ فنًا، تسبقُ الدولةَ والسياسةَ والحكمَ والسلطة، كلُّ ما لا يتوافق معها لا ينتمي للدولة والحكم الرشيد والسلطة العادلة والسياسة الشرعية، مفاهيمُ متخيلةٌ كنت أُمنّي نفسي بها، لم أُدرك أنها مفاهيمُ لم تجد مثالَها الأرضي يومًا ما، مفاهيمُ اخترعتها أذهانٌ مغتربةٌ عن حاضرها، لا تجد ذاتَها إلا في التراث، هكذا استبدّت معتقداتي بعقلي، كلُّ عملية تفكير كانت تخضع لها، عبثت معتقداتي المغلقةُ بضميري الأخلاقي، لم يؤنبني ضميري عندما كنتُ أتصرف وكأني أمتلك تفويضًا بمحاسبةِ الناس على تصرفاتهم، أطلبُ منهم ممارسةَ هذا الفعل وتركَ ذلك الفعل، أتدخلُ في حياتهم الخاصة، أصرُّ على تطابقِ سلوكهم الشخصي لما أراه، سلوكُهم ينبغي أن يكون مرآةً لسلوكي، سلوكي صوابٌ سلوكُهم خطأ، سلوكي حقٌ سلوكُهم باطلٌ، سلوكي معروفٌ سلوكُهم منكرٌ. لم أتنبّه على أن قوانينَ الحقوق والحريات الحديثة تحظرُ التدخلَ في حياةِ الناس الخاصة، لا تمنح تفويضا لأحدٍ بالوصايةِ على أفعال الغير وسلوكهم، ما لم يكن مفوضًا من الناسِ مباشرة، كنتُ أشعر بازدواجيةٍ مريرةٍ وتناشزٍ حادٍّ بين شغفي الكامنِ بالحرية، وتدخلي السافرِ في شؤون الناس الخاصة، والتحرّشِ بحرياتهم الشخصية. 
  في زيارةٍ قبل سنة 1972 لأحد الأقارب، سبقني إلى دارِه معلمون كانوا يُدرِّسون في مدرسة القرية، سمعتُ صوتَ موسيقى هادئة، لا أعرفُ من أين تصدر، كنا نجلسُ في ظلام، لم تصل الكهرباءُ إلى محيطِ هذه القرية ذلك الوقت، تلصّصتُ فرأيتُ جهازَ تسجيلٍ صغيرٍ يدسّه أحدُ الضيوف بجيبِ سترته، انزعجتُ من سلوكه، خاطبتُه بانفعالٍ وغضب: لماذا لا تحترم أهلَ الدار، لماذا تهين الحاضرين؟ أجابني مندهشًا، ما الذي فعلتُ لكم ولأهل الدار، كي توبخني بهذه الحدة؟ قلت له: إنك تجاوزت حدودَ الأدب عندما فرضتَ علينا الاستماعَ للموسيقى وهي محرمة. أجابني: أنت تعتقد أنها محرمة، أنا لا أرى ما تراه، أنت ضيفٌ كما أنا ضيف، أهلُ الدار لم يُظهِر أحدٌ منهم استنكارَه، لا تفرض رؤيتَك وذوقَك ورغباتِك على غيرك، الله خلقَ الناسَ أحرارًا، أنت لم يخلقك وصيًا علينا، بدلًا من أن أتصرف باحترامٍ وتهذيب، سرعان ما غادرتُ المجلسَ غاضبًا بلا توديع. 
 ما زال ضميري يؤنبني كلّما تذكرتُ هذه الحادثة، وعشراتُ المواقف المماثلة في تعاملي مع الناس تلك السنوات، بعد أن درستُ الفقهَ الاستدلالي، وأمضيتُ في دراستِه وتدريسِه سنواتٍ طويلةً من عمري، لم أجد دليلًا معتبرا من الأدلة المعروفة في الاستنباط الفقهي يحرّم الموسيقى، وكيف تكون محرمة وهي تستعمل علاجا أحيانا.