متحف ألماني يعرض لوحاته المزيَّفة

الأربعاء 28 تشرين أول 2020 92

متحف ألماني يعرض لوحاته المزيَّفة
كاثرين هيكلي
ترجمة: مي اسماعيل
 
 
 
وجدت إحدى المؤسسات الفنية الالمانية أن الكثير من لوحات الفن الطليعي “avant-garde” الروسي التي تقتنيها لم تكن أصلية؛ بل مزيفة. لذا أقامت معرضا يسلط الاضواء على تلك اللوحات؛ رغم اعتراضات القاعات الفنية التي باعت تلك اللوحات. 
لا تعرض المتاحف عادة اللوحات المزيفة الموجودة في مجموعاتها؛ لكن متحف “لودفيغ” بمقاطعة كولونيا الالمانية عرض تلك اللوحات على الجمهور في تجربة خرجت عن المألوف. جاءت اللوحات المعروضة تحت عنوان: “لوحات الفن الطليعي الروسي بمتحف لودفيغ: الاصل والتقليد” (كما يبدو) من أعمال فناني تلك الحركة الراديكالية مطلع القرن الماضي (التي يرفض باحثو الفن بالمتحف أصل نسبتها الفنية الآن)؛ لكنها عرضت جنبا الى جنب مع أعمال أصلية لفنانين مشهورين مثل “كازيمير ماليفيتش- Kazimir Malevich” و”ألكسندر رودشينكو-Alexander Rodchenko “ و”ناتاليا جونشاروفا-Natalia Goncharova “.  يمكن القول إن سيلا من الاعمال المقلّدة غزا هذا الجزء من سوق الفن لعقود طويلة؛ لكن المعرض يسلط الضوء على مزالق بيع وشراء واقتناء لوحات الفن الطليعي الروسي. 
 
جدل فني وقضائي
تأسس المتحف في السبعينات بهبة من قطب صناعة الشوكولاته “بيتر لودفيغ”، وهو يحتفظ بواحدة من أكبر مجموعات الفن الروسي الطليعي في أوروبا الغربية. كان لودفيغ وزوجته آيرين جامعين مثابرين لذلك الطراز الفني؛ وحينما توفيت سنة 2010 تركت للمتحف هبة من نحو ستمئة قطعة من الأعمال الروسية الطليعية. ضمت الهبة مئة لوحة عمل باحثو المتحف على تحليلها؛ ومن بين 49 جرى التقصي عنها كانت 22 منسوبة بشكل مزوّر. لكن الباحثون يتجنبون نعتها بالمزيفة؛ فمن المنظور القانوني تشير تلك الكلمة الى النية للخداع؛ وهذا ما لا يمكن اثباته بمجرد فحص العمل الفني.  
بات المعرض موضعا لنزاع قضائي حتى قبل الافتتاح؛ إذ رفعت قاعة “غاليري جمورزينسكا” السويسرية (التي باعت نحو أربعمئة لوحة للمتحف) دعوى تطالب بالاطلاع على أبحاث المتحف قبل افتتاح المعرض. لكن محكمة اقليمية رفضت الدعوى بعدما استأنفت مدينة كولونيا (التي تملك المتحف) ضد حكم سابق لصالح القاعة. 
ترى “كريستينا جومورزينسكا” مالكة الغاليري ان ليس من العدل افتتاح المعرض قبل التحقق من دقة التحليل؛ قائلة: “يعمل الغاليري مع أهم خبراء الفن الروسي الطليعي، ونطالب هنا باحترام انجازاتنا ذات الـــ 55 سنة. من الممكن طبعا أن يقع الخبراء في الخطأ على مر السنين؛ لكن لا يمكننا الحكم من دون دراسة التقارير التقنية”. أما “ريتا كيرستينغ” نائبة المدير والقيمة على معرض المتحف فتأمل أن تقود تحليلات المتحف مؤسسات ومقتنين آخرين لتقييم أصالة الاعمال، قائلة: “نستقبل مساهمات الاكاديميين والمكتشفات الجديدة، والتحليل لا ينتهي فعليا”. 
سوق باهظة الكلفة
في الماضي كان تقييم لوحات الفن الروسي الطليعي يعتمد أساسا على آراء الخبراء؛ لكن التحقق من أن اللوحة تطابق أعمال الفنان الاخرى ليس سوى جزء من أبحاث متحف لودفيغ. ويعتمد في جوانب اخرى على دراسة تاريخ ملكية اللوحة ثم على التحليل المختبري. استخدم الفريق العلمي للمتحف بقيادة “بيترا مانديت” تقنيات منها- الاشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية والسينية، والتدقيق بالمايكروسكوب والتحليل الكيمياوي وتاريخ الكربون. طبّق الباحثون تلك التقنيات على لوحات من ضمنها تلك المنسوبة للفنانة “أولغا روزانوفا” (مشتراة من غاليري جمورزينسكا سنة 1985)؛ لوحة “منظر طبيعي- تحلُّل الاشكال” التكعيبية التي تعود لسنة 1913، وعرضت بجانب عمل مشابه لروزانوفا (معارة من متحف تيسين بورنيميزا- مدريد).
كشف البحث أن مادة خلفية لوحة المتحف تحوي ألياف بوليستر صناعية لم تكن موجودة سنة 1913، كما أن تركيبة مواد الصباغة تختلف عن تلك الموجودة في أعمال روزانوفا لتلك الحقبة.. فاستنتج الباحثون أن نسخة متحف لودفيغ هي نسخة متأخرة لفنان غير معروف.   
يكمن جذر المشكلة في التاريخ الروسي؛ إذ خضع فنانو النهج الطليعي في العشرينيات لمراقبة الاتحاد السوفيتي. وبحلول الثلاثينيات عزز ستالين سلطته القمعية؛ فأُزيلت أعمالهم وأخفيت. في الستينات تشكل سوق للاعمال الفنية المهربة من الاتحاد السوفيتي الى الغرب؛ لكن عرضها لم يكن قانونيا؛ وافتقدت الاعمال وثائق الملكية والمصداقية. وهكذا تحرك المزورون بحريّة تحت تلك الظروف. والرهان على السوق عالٍ جدا؛ إذ بيعت لوحة لماليفتش بنحو ستين مليون دولار سنة 2008. لكن الفضائح حاضرة ايضا؛ والمخاطر على البائعين والمشترين موجودة؛ لتؤدي لاستقالة مسؤولي المتاحف وخضوعهم للتحقيق بتهمة التعامل بلوحات زائفة. يرى “يلماز دزيور” مدير متحف لودفيغ أن الاعمال الزائفة مفيدة.. “لأغراض المقارنة والتعليم”؛ وسيحتفظ المتحف بنسخه تلك رغم حجبها عن العرض العام بعد المعرض. 
 
عن صحيفة نيويورك 
تايمز الاميركية