حرب الكل ضد الكل

الأربعاء 28 تشرين أول 2020 193

حرب الكل ضد الكل
 د. يحيى حسين زامل 
يرى عالم الاجتماع الفرنسي" ريمون بودون" ان مفهوم "الحس السليم" ضروري لفهم العمل السياسي، فإن أبينا أن نقر بقدرة الكائن البشري على اعتماد الحس السليم في الحكم على الأمور التي لا تطرح مصالحه واهواءه على المحك، وتمتعه بالأهلية المطلوبة لمواجهتها، فإن مبدأ الديمقراطية الأساسي، ذاك الذي يوجب اعتبار كل مواطن مصدراً أعلى للقانون، يغدو مجرداً من كل معنى، وإن لم نعترف بدور مبدأ الحس السليم في الحياة الديمقراطية آلت هذه الاخيرة بفعل تضارب المصالح والأهواء الى" النموذج الهوبسي" المتمثل في" حرب الكل ضد الكل". وفي العراق نلمس غياب "الحس السليم"، اليوم ونحن نشاهد الحروب الخارجية والداخلية المتواصلة بين أحزاب وقوى وأثنيات وطوائف لتقاطع المصالح والرؤى والأهداف والغايات من جهة، ومن جهة أخرى لمجرد خطاب أو كلام أو تصريح، لنشهد حالات القتل والحرق والتهجير، وشاهدنا في هستيريا حالة "صلب"، في العاصمة بغداد، أذهلت الشارع العراقي، وآخرها وليس أخيرها طبعاً حرق مقر حزب"البارتي" الكردي في بغداد بعد تصريح أحد أعضائه بشكل استفز أحد الأطراف الداخلة بمعادلة" حرب الكل ضد الكل".لست بصدد التحكيم من هو محق ومن هو مبطل في هذا الصراع الابدي، ولكن ما يهمني هو الستراتيجية التي يتعامل بها الأطراف، والنية والأسلوب في الصدام المسلح أو نصف المسلح، وكذلك غياب"الحس السليم" في معالجة الأخطاء البشرية التي تترادف علينا في كل يوم من شخصيات تتعمد الغباء أو الاستغباء في تصريحاتها ولقاءاتها المتلفزة، البالغة الخطورة وهي تنتشر انتشار النار في الهشيم .
إنَّ حروب القوى القومية بشكل كلي، وصراع التمثلات الطائفية والمذهبية، وصدام الغالبية الدينية مع الاقليات الدينية الأخرى، فضلا عن أن داخل هذه المكونات الصلبة فئات متصارعة أخرى تبحث عن زعامة موهومة، أو تطمح لاستلاب مال أو مكانة أو سلطة بشكل مستمر يؤدي في النهاية إلى غياب رؤية سليمة للأمور، وازدياد تعقيد المشهد السياسي يوماً بعد آخر، مع غياب الوعي بما يحيط بنا من تفاعلات عالمية ودولية واقليمية ومحلية.
إنَّ معادلة "الحس السليم" وغيابه في العملية السياسية والاجتماعية والثقافية سيؤديان بلا شك إلى القطيعة مع ديمقراطية مدعاة، أو حرية مفترضة تطمح أن تنشئها هذه القوى المتحاربة على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد، وهي بمثابة خبز يومي لهذه القوى المتصادمة في النهاية، فالعربي تصادم مع العربي، والكردي تصادم مع الكردي،  والمسلم تصادم مع المسلم، بعد أن أفل آخر حل في أفق النسق البشري والإنساني. 
إن مفهوم "الحس السليم" يعد اليوم ضرورياً وعملياً لفهم أكثر الظواهر الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية، وتطبيقه بشكل صحيح يفيدنا في تفادي حروب"الكل ضد الكل"