الجهاز الحركي!

الثلاثاء 10 تشرين ثاني 2020 116

الجهاز الحركي!
 جواد علي كسار                                                                                       
قبل ثلاثة عقود أو أكثر قرأتُ للمفكر الإيراني الراحل مرتضى مطهري( ت:1979م )وصفاً للاجتهاد، قال عنه بأنه بمنزلة الجهاز المحرّك للإسلام، فإذا ما تعطّل هذا الجهاز أو أصابهُ خلل، فستضطرب المنظومةُ الإسلامية برمتها، وقد كان من أمانة هذا الرجل، أنه نسب توصيف الاجتهاد بالجهاز الحركيّ، إلى صاحبهِ ومن استعملهُ بهذه الصفة أول مرّة؛ أقصد به العلامة الراحل محمد إقبال اللاهوري ( 1877 - 1938م) في كتابه العتيد ((تجديد الفكر الديني في الإسلام)) الذي صدر قبل نحو مئة سنة من الآن .
بحُكِم خلفيته الفلسفيةِ ومنحاهُ المنطقي، تناولَ إقبال مبدأ الاجتهاد وحركيته في هذا الدين، من خلال سؤال معرفيّ،هو : هل الدينُ أمر ممكنٌ عقلياً؟ أم هو محض إيمانٍ وصلةٍ ميتافيزيقيةٍ بالله؟ بديهي كان إقبال ممتلئاً يقيناً بالإمكان العقلي للدين، ومن ثمّ إعطاء ايمان الملايين ممن انتمى لهذا الدين، أساساً منطقياً يستند إليه، وقيمةٍ عقلانيةٍ يقوم عليها. ببساطةٍ شديدةٍ يُشيد إقبال القاعدة العقلية للإسلام، من خلال رؤيته في تقسيم الحياة الدينية إلى مراحلٍ ثلاث، هي مرحلة الإيمان، ومرحلة الفكر، ومرحلة الكشف، فإذا كان الإيمان قائماً على الاقتناع والتسليم، وإذا كان الكشف صلةٌ مع الغيب وانفتاحاً على الحقيقة المطلقة؛ فإن مرحلة الفكر في الحياة الدينية، ليست ممكنة من غير اطار عقلاني للفهم، يستند إلى رؤيةٍ مُنسّقةٍ منطقياً، وينتهي بمنظومةٍ متكاملةٍ لله والوجود والحياة والإنسان، قابلةٌ  للتسويغ العقلاني، وللتعميم إلى بقيةِ البشر.
والسؤال : من الذي يمنح هذه المرحلة من الحياة الدينية، إمكانها ويجعلها قابلةٌ للتداول والتعميم، والتسويغ العقلاني والاستدلال البرهاني ؟ إنه الاجتهاد أو مبدأ الحركة في بناء الإسلام الفكري والمعرفي، وتحويل الدين من حدّي الإيمان والميتافيزيقيا (بديهي من دون إلغائِهما) إلى نسق أو اطارٍ أو منظومةٍ قابلةٍ للإقناع والتداول والتعميم.
هذا هو جوهر الأطروحة التي قدّمها إقبال لتجديد الفكر الديني، قبل قرن من الآن ووصف فيها الاجتهاد بمعناه العام، أنه الجهاز المحرّك للإسلام. فللإسلام كما يذكر مبادئ ثابتةٌ في الرؤية الإيمانية والكونية أو في الوجود، وله خطوط عريضةٌ في التشريع والتقنين، وبينهما مساحةٌ واسعةٌ من المتغيرات في العالم وفي الحياة الإنسانية، أُوكل أمرها إلى الاجتهاد.
يعتقد إقبال إن تعطيل الاجتهاد هو تثبيت ما هو متغيّر بطبيعته، لأن الثابت الأبدي ( الله) أراد لنا أن نثبّت أقدامنا في عالم دائم التغير، من خلال جهاز الحركة أو الاجتهاد، الذي انكفأ خلال القرون الخمسة الأخيرة من حياتنا ، ولا يزال !