بيش الساعة؟

الأحد 15 تشرين ثاني 2020 641

بيش الساعة؟
حمزة الحلفي 
 
ساعة اليد كانت في الماضي البغدادي القريب، تعد علامة ثراء وعنوان غنى لمن يلبسها، اي ان هيبتها تقارن في حاضرنا الآن بهيبة مالك السيارة الحديثة (بسنتها) كما يقولون، وكانت لهذه الساعة مكملات تكمل تبختر وزهو صاحبها، فمثلا يتعمد أن يلبس قميصاً نصف ردن، على الرغم من الشتاء وبرودة الجو لاجل ابرازها بشكل واضح او يكف اسفل ردن السترة او (الجاكيت) اذا كان من جماعة البدلات وللسبب ذاته.
اما العاشقون من الشبان، فكانوا يلبسون ساعتهم في اليد اليمنى بخلاف العامة من الناس حتى يتميزوا عنهم، واغلب الماركات من الساعات التي كانت تعمل بالتوقيت الاوتوماتيكي بتدوير (الزمبلك).. ماركةvelka (فيلكا) و olma (اولما) او albitina (البيتنا)، و لحقها الاورينت والروليكس، وتعد هذه الماركات الآن تحفاً اثرية تباع بأثمان باهظة جداً.
اضافة الى ساعة الجيب – الموديل الثاني- التي كانت من حصة المجتمع الاورستقراطي قبل أن تتحول الى كبار السن.
ويجرنا هذا الموضوع الى طرفة ربما فيها نوع من المبالغة، اذ يحكى ان فلاحاً يعيش في اقاصي الجنوب العراقي او الغرب العراقي، سافر الى بغداد، ويكاد يكون هو الاول من قريته الذي يدخل هذه المدينة الساحرة، وحال دخوله اليها سكن في فندق في منطقة الباب الشرقي، وعند العصر من اليوم نفسه ظل يدور في المنطقة قريباً من مكان سكنه حتى لا يضله، فسار باتجاه تجمع من البغداديين يحيطون بعربة صغيرة بيضاء اللون يصيح صاحبها مدللا على بضاعته (دوندرمة) اي آيس كريم.
فاشترى صاحبنا واحدة ولما استطاب طعمها اعقبها بثانية وثالثة، وعند صباح اليوم التالي بعدما انجز عمله الذي جاء من اجله، عاد الى قريته وصادفت عودته مع حادثة في القرية، اذ حدث ان مجموعة من الصبيان عثروا على ساعة يد ربما سقطت سهوا من جندي بريطاني.
فظلوا ينظرون اليها من بعيد لظنهم، ان شيطاناً او شيئاً آخر يحرك هذه العقارب الصغيرة بدون توقف، فعند وصول شيخ القرية الى مكان الحادث، قال ابعثوا الى فلان الذي جاء اليوم من بغداد لعله يعرف هذا الشيء الغريب.
وعندما وصل صاحبنا ملبياً دعوة الشيخ، فسح المتجمعون له المجال، فظل ينظر بدقة العارف ويتفحص الساعة والانفاس والعيون تلاحقه، حتى ضحك ضحكة الذي اهتدى الى حل هذه الاحجية، فقال بثقة (هاي وحدة من الاثنين لو باب الشرجي لو دوندرمة) وهما الشيئان اللذان حفظهما من سفرته لبغداد.
ولعلَّ ما افتقدناه وخسرناه من قيمة الساعات في وقتنا الحالي، ليس بكثرتها ورخص ثمنها أو وجودها على الموبايل أو في كل مكان، إنما افتقدنا أجمل جملة كانت فاتحة الحوار في كل صباح ومساء للماشين في الشوارع ومن دون سابق معرفة مع ابتسامة أنيقة ووجهٍ مشرق: "بيش الساعة".