وحيد الغابات

الأحد 22 تشرين ثاني 2020 272

وحيد الغابات
حمزة الحلفي 
 
"الغابات" او "الوكر" كما نسميه، مكان اللقاء الحميم، الذي يجمع في باحته باقة من شرائح إبداعية ثقافية معارضة للنظام.
كان هذا اواسط الثمانينيات، اثناء الحرب العراقية الايرانية، و"الغابات" ملتقى مكانه يقع على شارع ابو نواس بمواجهة نهر دجلة، ومن اهم رواده، اذا أسعفتني الذاكرة الاصدقاء الفنان المسرحي رضا ذياب والشهيد فلاح عبود والشهيد رعد شوحي والمطرب حسن بريسم وجبار حمادي ومحمد حوشي "غيلان" وكاظم غيلان وضياء سالم وحميد قاسم وعادل السيد وعباس الازرقي وعباس الحربي وكاظم لازم وصبيح عفتان وشهاب الفضلي، وشعراء المتنين الشعبي والفصيح واصدقاؤهم الملحقون بهم، والمطرب سعد عبد الحسين صاحب اغنية "لا على بختك" وهو من مؤسسي هذا الملتقى. 
ولعل ابرز واهم ما في الغابات الصديق المصري وحيد، العامل الاول الذي اصبح في ما بعد الدراجي او الشويلي او الحلفي نسبة الى كنى جماعتنا، فقد وصل الامر بوحيد من باب التقارب الروحي معنا حضور مجالس العزاء وحفلات الزواج بكل اماكن بغداد، خاصة في مدينة الثورة.
ولا يقتصر حضوره على مناسبات جماعتنا، بل تعدى هذا حتى لاقارب زبائنه، ولا يتردد باطلاق لازمة الفواتح العراقية المطعمة بالمصري في اول دخوله الى المجلس"رحم الله والديه اليقره سورة الفاتحة" والمذهل اكثر في هذا الرجل ان له فراسة بمعرفة رجال الامن، الذين يتواجدون يوميا ويتوزعون بين الموائد لاحساس الحكومة آنذاك بخطورة هذا المكان الملغم بالمشاكسين.
واكثر من مرة داهم الانضباط العسكري المكان بحثا عن الفارين من الجيش، لكن وحيد المنقذ يفتح الباب الخلفي فينطلق الفارون بامان تام باتجاه شارع السعدون. 
وترجع القوة خالية الوفاض من صيد كان اكيداً وعيونهم تتطاير شرراً صوب وحيد حتى يقتادوه ويمضي ليلته في الحارثية المرعبة، وعندما يطلق سراحه في اليوم التالي يدخل الغابات وآثار الكدمات على وجهه، ويسب بصوت عالٍ جماعتنا: "كله من وراكم هاي يا ........ يا...." ويهدأ بعد ان يكرع قدح ماء بارد مردداً بصوت خافت: "يلله ما طول انتم سلمتم اني مو مشكله" ثم يستدرك بصوت عال وهذه المرة بالمصري" طب زاي ان كلت ضرب من اولاد الوسخة دول وانتم ولا على بالكم يا......" ويضحك الجميع مجاملة للموقف.
واكثر من هذه المواقف سجلها التاريخ بضمائرنا لهذا الرجل النبيل، لقد كان يتقاسم ما يتقاضاه من اجر يومي بالتساوي مع المحتاج منا، لكن بالمقابل الشباب يردون الدين حالما يتسلمون مكافأة من جريدة او مجلة او من اي مكان اخر.
لا أعلم اين مضى الزمن بوحيد ولو وجدتهُ في يوم ما سوف اسألهُ: هل كان ذاك الزمن جميلاً؟