الحاسوب المنفلت

الاثنين 23 تشرين ثاني 2020 122

الحاسوب المنفلت
عبدالهادي مهودر
يبلغ مشروع قانون مكافحة جرائم المعلوماتية من العمر تسع سنوات تقريبا فقد ولد عام ٢٠١١وتم تأجيله دورتين انتخابيتين، وأثار جدلاً واسعاً منذ بدايات النقاش فيه، حيث إن قضايا تقنيات المعلومات والفضاء الالكترونية من المستحدثات على مجتمعنا، بعد أن اصبحت خدمة الأنترنت في كف كل مواطن وليس في كل بيت فقط، وصار الضيوف من الأقارب والأصدقاء يسألون عن الراوتر والباسوورد، قبل أن يسألوا أهل الدار عن اتجاه القبلة ويوجهوا الاسئلة الروتينية الست: (شلونكم  وشلونكم زينين وشلون الصحة وشلونكم بعد ووين هسه وشكو ماكو !؟) .
ويتباين النظر لحرية استخدام الانترنت بين الدولة وأفراد الشعب، وخلال السنوات العشر الماضية كانت الحكومات والبرلمان يقتربون بحذر من هذا القانون ويقدمونه ويؤخرونه خشية ردود الفعل، لكونه يحتك بحدود الحريات ويمس مملكة وفضاء المدونين والناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي، الذين كانوا وما زالوا يستشعرون  الخطر من تثبيت فقرات فضفاضة قد تحول (اللايك والتعليق والمشاركة ) إلى جرائم والقانون الى أداة قمع، خاصة ان الكثير من أشكال التواصل قد تكون بريئة ( واللايك ومنور وعاشت ايدك واحسنت ) قد تكون للمجاملة من دون توافق مع المحتوى ولا بقصد التأييد والتحريض، لكن القانون سوف لايحمي المغفلين مثل أي قانون آخر، ولذلك قد يكون ثمن (اللايك) مستقبلا السجن، بتهمة المشاركة بحملة تحريض وتسقيط، إذا ترك الباب مفتوحا للتأويلات وتفصيل التهم حسب المقاس وما لم تكن الصياغات حاسمة وقاطعة، فالسلطات والمشرعون ينظرون اليه من زاوية مختلفة، ويجدون أسبابا كثيرة توجب التقييد بقانون خاص ويصنفون الاستخدام الالكتروني غير المقيد، بقانون في خانة السلاح المنفلت والإرهاب والتجسس المعلوماتي، ويبررون اصداره بمخاطر التجاوز على حريات الآخرين وجرائم تهكير المواقع الرسمية واختراق الحاسبات والرسائل، وتدمير نظم المعلومات وسرقة البرامج، والاستغلال الجنسي وانتهاك الخصوصية والملكية الفكرية والتنصت والابتزاز الالكتروني، وما شابه ذلك من أفعال مقصودة او موجهة لتحقيق أهداف تتسقيطية وتضليلية.
 لكن الملفت في مشروع القانون هو جعل الجرائم اسماً وعنواناً له، مع ان الهدف المفترض والمعلن هو تنظيمي وليس عقابيا، فقط ما يتطلب اعادة النظر في تسمية القانون عند مناقشة أهدافه ومحتواه، وتوضيح إن كان يتعلق بالجرائم فقط ام لا، والمهم قبل التوصل لصيغة نهائية لقانون مكافحة جرائم المعلوماتية، هو إشراك الجهات المتخصصة والمعنية والافادة من التجارب التشريعية في الدول، التي سبقتنا في هذا المجال، إضافة لضرورة ان يتضمن مكافحة حملات بث الكراهية بين فئات المجتمع ومعالجة الصفحات الوهمية وإيجاد مقاربة، وإن كانت صعبة المنال بين الأطراف المعنية، تضمن مطلب عدم مس القانون المقترح بحرية التعبير وعدم إساءة استخدام الفضاء الالكتروني من أي طرف كان.
وعلى الرغم من كل الجدل المثار حول هذا المشروع فلكل منا وبحكم التجربة ملاحظات ومؤاخذات كثيرة يفرزها واقع التواصل الاجتماعي اليومي، فهناك بلا شك جرائم بحق المجتمع وأفراده ترتكب بواسطة الحاسوب وشبكة المعلوماتية واستخدام سيئ وصفحات بأسماء وهمية وأشخاص ملثمون يديرون الصفحات مقابل ثمن او ما يطلق عليهم بالجيوش الالكترونية السرية، وهو ملف فساد متكامل لا يحتاج سوى أوامر  إلقاء قبض على حوت كبير أو “زورية” صغيرة.