الأصم الذي سمع العالم بأسره موسيقاه

الثلاثاء 24 تشرين ثاني 2020 399

الأصم الذي سمع العالم بأسره موسيقاه
سامر المشعل 
الموسيقار العالمي بتهوفن الذي اسعد الناس بموسيقاه، واخذت تقام بيوم مولده المهرجانات والاحتفالات السنوية تكريماً له ولما قدمه للانسانية، عاش حياته معذبا وذاق الوان المعاناة منذ ولادته حتى رحيله. اراد والده المغني المتواضع والمدمن على الكحول، أن يصنع منه معجزة موسيقية، أسوة بالموسيقار موزارت، فكان ابوه يأتي في وقت متأخر من الليل، فيجر الطفل بتهوفن من فراشه عنوة، ليتدرب على البيانو، ولا يتوانى عن ضربه، وفي احدى المرات حبسه في قبو بارد كي لا ينام.
قسوة الاب في تعامله مع بتهوفن ومن دون رحمة، اثرت في شخصيته نفسيا واجتماعيا وصحيا، وجعلت منه شخصا انعزاليا، ثم تراكمت عليه الامراض، وقرر اكثر من مرة الانتحار، ومن حسن حظ البشرية، انه ارتأى أن يقاوم تعاسته بالتأليف الموسيقي. في العقد الاخير من حياته فقد حاسة السمع تماما، وأصبح اصم، ما زاد من تعاسته واثر في حدة مزاجه وثورة غضبه، فاراد أن يفجر ما بداخله من الم وغضب بتأليفه السيمفونية التاسعة، ولاول مرة بتاريخ الموسيقى يدخل بتهوفن الاصوات البشرية والغناء والكورال واختار قصيدة « نشيد الفرح « للشاعر الالماني فريدريش شيلر، فكرة السيمفونية تؤكد الاخوة بين البشر، فهي ذات مغزى انساني عالمي.
اثناء التمارين على السيمفونية حدثت الكارثة، فقد كانت اشارات بتهوفن تسبق العازفين، ما جعله يستعين بموسيقار اخر يقود الاوركسترا معه، والاخير اوصى العازفين أن يهملوا اشارات بتهوفن، وعندما قدمت السيمفونية التاسعة اول مرة في العام 1824 في فيينا، كانت القاعة مزدحمة بالجمهور، وهي اطول سيمفونية آنذاك، فقد كانت السيمفونيات لا تتجاوز 30 دقيقة، بينما السيمفونية التاسعة أكثر من ساعة، ورغم طولها، الا ان الجمهور لم يشعر بالملل. عند الانتهاء من عزفها، استقبله الجمهور بالتصفيق الحار ورمي القبعات والمناديل اعجابا وانبهارا بموسيقاه المدهشة، لكن بتهوفن كان الوحيد بالقاعة الذي لم يسمع هذه الموسيقى، ولم يسمع أصوات الجمهور وتصفيقهم، وعندما اشارت اليه احدى العازفات، بأن يلتفت الى الجمهور، اخذوا يلوحون ويهتفون بحركات مبالغة، كي يشعروه بنجاحه، فما كان منه، الا أن انهار باكياً.
فشل بتهوفن بالحب فلم يجد المرأة التي تبادله الحب وتصبح زوجة له، ربما بسبب وضعه المادي السيئ وحالته الصحية المتدهورة ونفسيته المتأزمة وضعف سمعه.. جعلت النساء تتجاهله.
عندما حدثت الثورة الفرنسية كان بتهوفن متعاطفا معها وشديد الاعجاب بـنابليون واهداه السيمفونية الثالثة، لكنه عدل عن رأيه عندما غزا نابليون فيينا، التي كانت عاصمة الموسيقى بالعالم، فخاب ظنه به واخذ يمقته، حتى ان احد الامراء طلب منه أن يعزف امام مجموعة من الضباط الفرنسيين، فرفض بتهوفن طلبه بغضب وقال للامير:» ان الامراء كثيرون لانهم امراء بالولادة، اما بتهوفن فانه فنان عظيم ولا يوجد مثيل له « وخرج غاضباً.
بعد مرور ثلاث سنوات على تأليفه للسيمفونية التاسعة، أصيب بتهوفن بنكسة صحية، فشعر بدنو أجله فكتب « صفقوا يا اصدقائي، فقد انتهت الكوميديا «، ليرحل في 26 آذار من العام 1827 بعدما قضى 56 عاماً من الالم والعوز والمرض.. لكنه ترك للبشرية ارثاً موسيقياً مذهلاً.