مــــاء وجـلـيـد علـى الـقـمـر

الخميس 26 تشرين ثاني 2020 133

مــــاء وجـلـيـد علـى الـقـمـر

كينيث تشانغ 

ترجمة: أنيس الصفار       

 مهمة العثور على الماء والحفر لاستخراج الجليد ربما ستكون اسهل على رواد الفضاء مستقبلاً مما نتصور، اذ بينت ورقة بحث نشرتها في 26/10/2020 مجلة “نيتشر استرونومي” العلمية كيف استخدم العلماء تلسكوباً يعمل بالأشعة تحت الحمراء مركباً داخل طائرة من طراز “جامبو 747”، اطلق عليه اختصاراً اسم “سوفيا”، لجمع ملاحظات ومعلومات أكدت بالدليل أن الماء موجود في بقاع على سطح القمر لا تصل اليها اشعة الشمس.

يعتقد العالم “بول هيرتز” ان الاكتشاف يوضح لنا ان الماء ربما كان موزعاً في مختلف انحاء سطح القمر لا في القطبين فقط، كما أفادت مجموعة ثانية من الباحثين مؤخراً بأن المنخفضات الصغيرة المساحة القليلة العمق المنتشرة غير بعيد عن الفوهات الكبيرة العميقة المتجمدة عند قطبي القمر قد تكون باردة هي ايضاً بحدود تسمح لها أن تحتفظ بالجليد المائي لملايين او حتى مليارات السنين. 
هذه الكميات الصغيرة من الجليد المائي يمكن أن تحدث انقلاباً حقيقياً، كما يقول استاذ الفيزياء الفلكية “بول أو هاين” الذي ترأس البحث المذكور، فبها قد يصبح الوصول الى الماء اكثر يسراً على رواد فضاء المستقبل والمركبات الجوالة.
هذا الجليد لن يتيح ماء الشرب فقط لرواد الفضاء مستقبلاً بل من الممكن ايضاً شطر جزيئاته الى مكونيها الاساسيين، أي الهايدروجين والاوكسجين، فيزود الأوكسجين الرواد بحاجتهم للتنفس في حين يستخدم الهايدروجين ذات يوم كوقود دافع للصواريخ العائدة الى الأرض أو المتوجهة الى المريخ او ابعد منه.
بين المعلومات التي التقطها تلسكوب “سوفيا” لاحظ العلماء وجود موجة ضوئية دون الحمراء ضمن نطاق 6 مايكرون تنبعث من جزيئات الماء. تلك الانبعاثات شوهدت مثلها في فوهة “كالفيوس” قرب القطب الجنوبي للقمر ولكن لم تلاحظ قرب مداره الاستوائي حيث الحرارة أعلى. 
الملاحظات التي جمعتها مركبة فضاء اخرى، قبل عقد من السنين، أوحت ايضاً بأن الماء واسع الانتشار على سطح القمر، لكن تلك القراءات ركزت على طول موجي أقصر هو 3 مايكرون وهذا جعل الموقف مبهماً لأن العلماء لم يتمكنوا من التمييز جزماً بين جزيئة الماء، المكونة من ذرتي هايدروجين وذرة اوكسجين واحدة، والهايدروكسيل، الذي تتكون جزيئته من ذرة هايدروجين وذرة اوكسجين. بيد أن انبعاثات 6 مايكرون تعد بصمة كيميائية مميزة للماء تحديداً، كما تقول الدكتورة “كيسي هانيبول” الباحثة الأولى في الدراسة.  
مثل هذا الرصد لا يمكن اجراؤه من على سطح الأرض بسبب وجود الماء في طبقات الجو السفلى. كذلك فإن اي من المركبات القمرية، الحالية او المخطط لها، ليست مزودة بمعدات لتحري هذا الطول الموجي بالتحديد، أما “سوفيا”، بعدسته البالغ قطرها 106 إنج وارتفاعه عند 45 ألف قدم، يستطيع تحريها، والاكتشاف الأخير ما كان ممكناً لولاه.
تركيزات الماء قرب “كالفيوس” واطئة، حيث تقارب 355 مليلتراً لكل متر مكعب، وهي متناثرة ومتباعدة، اذ لا يمكنها تكوين ثلج او ماء سائل، كما تقول الدكتورة هانيبول. تضيف هانيبول ان جزيئات الماء ربما تكون قد تشكلت بسبب تعرض القمر للرياح الشمسية أو جراء رجم النيازك الصغيرة لسطح القمر، ولكن الأمر الذي يبقى موضع تساؤل هو كيف تمكن الماء من البقاء دون أن تبدده حرارة ضوء الشمس في الفضاء، تعتقد هانيبول ان الماء محتجز داخل حبيبات زجاجية في التربة تشكلت جراء رجم النيازك الصغيرة.
المسألة الأخرى تتعلق بمدى صعوبة استخلاص ذلك الماء. يقول الدكتور “جاكوب بليتشر” من وكالة ناسا: “إذا كان الماء محتجزاً داخل حبات زجاجية بالفعل فإن استخلاصه سيتطلب صرف طاقة، أما اذا كان ممتزجاً بالتربة فسوف يكون الأمر اسهل.”
 
ظل أبدي
كان البحث عن الثلج المائي على القمر حتى الان منصباً على مناطق الظلال في الفوهات القطبية الكبيرة، لأنها من ابرد المناطق في نظامنا الشمسي (تنخفض الحرارة فيها الى حدود 240 درجة مئوية تحت الصفر). وجود الماء هناك مؤكد ولكنها اماكن خطرة والعمل فيها لن يكون سهلاً. ولكن ابحاث الدكتور هاين توصلت الى وجود ما يسمى “المصائد الباردة المصغرة” وهي مساحات صغيرة جداً من سطح القمر ليس لها عمق يذكر، غير انها لا تقل برودة عن الفوهات القطبية، ففي العام 2014 استنتج الدكتور هاين وجود “فوهات صغيرة قليلة العمق” قرب الاقطاب تعيش هي الاخرى تحت ظل أبدي لأن الشمس لا ترتفع فوق أفق القمر لأكثر من 10 درجات وبذلك يسقط ضوؤها بزاوية ميل شديدة، لهذا السبب لا تحتاج الفوهات الى عمق كبير، بل تكفيها أجزاء من السنتمتر عمقاً، كذلك فإن صخور القمر وتربته غير موصلة للحرارة، وبذا تكون حتى المنخفضات التي يقل قطرها عن إنج واحد شديدة البرودة قادرة على احتجاز 
الماء. 
يقدر العلماء أن هذه المصائد الصغيرة الباردة ستضيف نحو 15 ألف ميل مربع الى مساحات السطح القمري التي يتواجد فيها الجليد، ولكنهم لن يستطيعوا تقدير كميات المياه لجهلهم بمدى عمقها.
تشكل الفوهات الكبيرة الجزء الأهم من مناطق الظل الدائم، وطبقات الجليد المتراكمة فيها تمثل سجلاً عمره مليارات السنين من تاريخ نظامنا الشمسي، ومن معرفة هذا التاريخ قد نجد الجواب بشأن اصل الماء على القمر والارض.
من المتوقع ان ترسل وكالة “ناسا” في العام 2022 مركبة روبوتية صغيرة الى القطب الجنوبي للقمر مزودة بكاميرا تعمل بالاشعة دون الحمراء وعندئذ سيمكن لأول مرة التأكد من الفرضيات القائمة بشكل مباشر.