«كوفيد - 19» وستراتيجيات الحداثة الشعريَّة

الخميس 26 تشرين ثاني 2020 127

«كوفيد  - 19»  وستراتيجيات الحداثة الشعريَّة
 عادل الصويري
 
 
 
بعد كل ما حققته حركة الحداثة الشعرية خلال العقود السابقة؛ هل لنا أن نستفهم عن رهاناتها وستراتيجياتها في أغرب تحول وبائي يحدث حالياً، وهل سيكون التفاؤل بهذه الحركة وفق عدم وجود تعريف محدد للحداثة منطقياً، في ظل التحولات التي أحدثها فيروس صغير قلب معطيات الاقتصاد والاجتماع وحتى السياسة؟
الأكيد أن الشعر هو موقف جمالي لمجمل ما يدور في العالم، والاختلاف فقط هو في كيفية التعبير عن هذا الموقف؛ لذلك من الطبيعي أن تقترب نزعات الشعراء الأسلوبية من هذا الصمت الذاهل أمام مرحلة (كوفيد- 19)، فبعد أن كان الشعر حسب مفهوم ت. س. اليوت يمثل الهروب من الذات، نعتقد أن الهروب وفق المنطق الكوفيدي سيكون من العزلة؛ لمحاربة العزلة الاجتماعية التي فرضها، فالشعر إذن سيكون واقفاً بين عزلتين!
ويبدو – وهذا ليس رأياً قاطعاً – أن رهانات الشعر ما بعد مرحلة العزلة الوبائية ستتجه نحو الرومانسية، وأكبر مشكلة يمكن أن تواجهها هي مشكلة التخلص من المعنى التقريري الانشائي الجاهز، من دون أن تسقط في فخ التهويمات التي تجعلها تأويلياً بعيدة عن مرحلتها الحساسة والمعقدة.إنَّ أهم تحول أحدثه فيروس كورونا المستجد على مستوى الشعر؛ هو أنَّ الشعراء أنفسهم أدركوا أنَّ العزلة، التي كانت جزءاً لا يتجزأ من حياتهم وتكوينهم ولو على سبيل التباهي؛ ليست سوى عزلة ترفية، أو ربما مرضية لا علاقة لها بأي رهان تجديدي في حركة الشعر، والدليل على ذلك هو الرعب الذي أحدثته عزلة كورونا على العالم بشكل عام، ومجتمع الشعراء على وجه الخصوص، والذين رأيناهم يظهرون على منصات إلكترونية سُمِّيت خطأ بالتفاعلية، مساهمين ومشاركين في أمسيات وندوات تقيمها المؤسسات المعنية، ثم يظهرون مرة أخرى عبر منصاتهم الالكترونية الشخصية فأين هم من العزلة والابتعاد، أين هم من عالمهم الفردي البعيد عن مشكلات العامة وقضاياها، وكيف هي بروجهم العاجية العالية التي اعتزلوا فيها عن العالم؟!
ولعل الحركة الشعرية الحديثة في الزمن الوبائي ستعيد النظر في ذلك "الحماس الجنوني" الذي رصده الشاعر والناقد الراحل (خيري منصور) في كتابه المهم (أبواب ومرايا مقالات في حداثة الشعر)، ويقصد بذلك حماس جيل الخمسينيات من القرن الماضي لحداثة "سرعان ما سقطت وأذابت شمسُ الوقع أجنحتها الشمعية، فكانت ضريبة الحداثة العربية باهظة، تمثلت في الاحجام عن تحسس ملامح وخصوصيات يفرضها واقع له إشكالياته الكبرى".
وأكثر شيء سيجعل المعنيين بالحداثة يعيدون النظر في ذلك الاحجام الذي أنتج "الحماس الجنوني" الذي تحدث عنه خيري منصور، هو تلك العزلة المخيفة التي أرعبتهم، وهزت عرش جبورتهم الحداثي "الشمعي"، بعد أن وجدوا أنفسهم في عزلة عولمية مخيفة، جعلتهم موقنين بأنهم أسسوا مشاريعهم على فراغ اجتهد في التنظير لمحو الخصوصيات والجزئيات المحيطة بهم ليلاً ونهاراً.
وبالعودة إلى السؤال المطروح في بداية هذا المقال عن إمكانية التفاؤل بحركة الحداثة الشعرية نقول: نعم يمكن لنا التفاؤل، بل والذهاب إلى أبعد من التفاؤل؛ لأننا نرى بوضوح أثر التحولات التي أحدثتها العزلة الوبائية على بعض الشعراء على المستوى الشخصي، وعلى مستوى الرؤى التي يسكبونها في نصوصهم، تلك الرؤى القريبة هواجس الجميع متخذة من الخوف والترقب والتفكير سُلَّماً لبلوغ حداثة شعرية بستراتيجيات جديدة
 ومنتجة.