الأمل.. معهد يرسم الكلمات بلغة الإشارة

الاثنين 30 تشرين ثاني 2020 251

الأمل.. معهد يرسم الكلمات بلغة الإشارة
    زهراء جبار الكناني
 
ذهبت محاولات أم مؤمل سدى وهي تحاول ايجاد بيت قريبتها التي انتقلت مؤخراً الى حي جديد لزيارتها، فقررت سؤال طفل كان يلعب كرة قدم في الزقاق مع رفاقه، غير أنها امتعضت من عدم رده على سؤالها فقالت له بحدة: (شبيك متحجي اخرس) فداهمها صديقه قائلا لها: انه اصم لا يفهم ما تقولينه يا خالة!
 جعل الله بين كل الكائنات الحية لغة للحوار ومن جملتهم الانسان، الا ان فقد بعضهم لنعمتي النطق والسمع، دعا الباحثين للسعي بابتكار لغة أخرى وهي لغة الإشارة، "الصباح" أجرت زيارة لـ"معهد الامل للصم وضعاف السمع في مدينة كربلاء المقدسة"، للتعرف على نشاطات المعهد وآراء ذوي الطلبة به.

خطوة ايجابيَّة
ام بركات اشادت كثيراً بمعهد الامل، اذ وصفته بالخطوة الايجابية التي تحظى بها هذه الشريحة  للتعايش مع اقرانهم الاصحاء.
واضافت:"كانت ابنتي منعزلة تماما عن اخوتها لكونها تعجز عن التواصل معهم وكثيرا ما اجدها تلوذ بالبكاء، لكونها ولدت صماء، ومن حينها انطلقت للتقصي عن وسيلة لمساعدتها، فالحقتها بمعهد الامل، وها هي اليوم تكتب وتقرأ وتتواصل مع اخوتها والاخرين عن طريق الكتابة".
 
بريق أمل
بينما قال محمود سامي الاخ الاكبر للطالب ذو الفقار في معهد الامل : "طرأ تحسن كبير على مستوى اخي بعد التحاقه بالمعهد، من حيث السلوكيات العدوانية بسبب عجزه عن النطق والسمع، اذ تغير تدريجيا لكونه اصبح يجيد لغة الحوار مع الاخرين، خصوصا بعد لقائه مع اشخاص يبادلونه اللغة ذاتها، وقد انتقل مؤخرا إلى الصفوف الدراسية في المعهد، وهو يتميز بخط جميل وقد أحب مدرسته جدا".
 ويختم حديثه "يعد هذا المعهد بريق امل لمواصلة  هذه الشريحة حياتها، وهم يخطون الكلمات بلغة الإشارة قبل الخط على الورق".
وبمساعدة احد المعلمين أجابنا احد التلاميذ عن سؤالنا له هل تحب المعهد؟ ، بتلويحة يديه برسمة القلب، كدليل على حبه للمعهد، كما اعد لنا ايام الاسبوع، واخبرنا بانه استطاع تنمية هواياته مثل الرسم وممارسة العاب الرياضة التي يحبها.
 
مملكة النحل
معهد الامل، خطوة جبارة وعمل إنساني اسهم بالنهوض بواقع الصم والبكم من اجل انتشالهم  من أي خطر يهددهم في المستقبل، كاستغلالهم، او انحرافهم، او حتى انطوائهم على أنفسهم واعتزالهم للحياة، والا يشعروا بالدونية وبأنهم بشر من الدرجة الثانية بسبب النقص الذي يعانون منه.
توجهنا الى القائمين على المعهد والتقينا الباحثة الاجتماعية آلاء عبد الله التي حدثتنا قائلة: "ان فئة الصم والبكم موجودة في كل مكان وفي كل المجتمعات، ومن خلال متابعتي أرى أن الانعكاسات النفسية تنطلق من الأسرة نفسها احيانا". 
واضافت: "ان عملنا يقتضي زيارة اهالي التلاميذ لمعرفة سبب إصابتهم وحالتهم المعيشية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا من اجل  معرفة طرق التعامل معهم، ومعرفة ما إذا  كان انطوائيا أو عدوانيا، فكل هذه العوامل تؤثر في سلوكيات التلميذ". 
وتابعت "لقد زرع المعهد حب الحياة داخلهم، اذ اعتبروه مملكتهم الخاصة كخلية النحل التي لا تقبل دخيلاً، وقد وفرنا كل ما يحتاجونه بدروس تنمي هواياتهم وحثهم على الجرأة وعدم التخوف، كما أصبح الكثير منهم يجيدون تصفح مواقع التواصل فيما بينهم عن طريق الكتابة او حتى فتح كاميرا للحوار بلغة الاشارة".
 
اللغة الأم
من جانب آخر قالت نجلاء فاضل معلمة  في المعهد: "تعتبر لغة الإشارة هي اللغة الأم لشريحة الصم والبكم، فمن هنا تبرز أهمية هذه اللغة لكونها لا تختلف عن اي لغة حية أخرى، وان الأطفال الصم مثل التلاميذ الأسوياء، الا ان البعض لديهم فروق فردية في استيعاب المواد الدراسية وتتدخل عوامل كثيرة في ذلك، أهمها المستوى  الثقافي للأسرة والحالة المادية وغيرها، ويتميز بعضهم بالمواهب الجميلة، اذ سعينا لتنميتها مثل الرسم والاشغال اليدوية".
وعن الصعوبات التي تواجهها قالت فاضل "المرحلة الاولى للتلميذ  بسبب انعزاله وعدم القبول بالمشاركة او سلوكه العدواني، اذ نبذل جهداً كبيراً من اجل حثه على الاندماج مع باقي زملائه".
كما شاركنا المعلم ميثم حرب عبد الحسين قائلا: "لا يقتصر عملي على مهنة التعليم فحسب، بل هناك حالات تستوجب تواجدي رسمياً في ما يتعلق بسير الإجراءات القانونية والرسمية في جميع دوائر الدولة لترجمة لغة الإشارة للصم بشكل رسمي وقانوني، اذ اكون مرشحاً من قبل الدائرة   لاستخلاص المعلومات من الأصم بصورة غير مشوهة، ليتم تدوينها في القضايا القانونية، اذ توكل هذه المهمة لي احيانا". 
وعن كيفية الحديث مع هذه الشريحة مجتمعيا قال عبد الحسين: "الكثير يجد صعوبة بالتعامل والحديث معهم، لذا يتوجب عليهم مواجهة الشخص الأصم وجهاً لوجه والتذكر دائما أن الأصم ينظر إلى شفاه الشخص المتعامل معه، لذلك يجب استعمال اليد والكلام في الوقت نفسه، وعدم جذبه من يديه أو قطع كلامه مع أي شخص آخر أو التلويح أمام وجهه بل النقر على كتفه لجذب انتباهه، ولا يضع الشخص المتحدث مع الاصم يديه بموضع يغطي فمه بل أعلى الصدر، ليتمكن  الشخص الاصم من النظر إلى اليدين والشفاه في الوقت نفسه، وعدم الخجل من التحدث مع الشخص الأصم بالأماكن العامة بلغة الإشارة بل يكون فخورا بذلك، لأن الأصم سوف يقدر هذا العمل، ما يخلق مودة بينهما".
 
آلية التسجيل
والتقينا مديرة المعهد ماجدة عبد الحميد التي حدثتنا قائلة: "يتصور البعض ان شريحة الصم والبكم اقل فهما أو نسبة ذكائهم قليلة وتفكيرهم محدود و العكس هو الصحيح، فمن خلال تعاملي معهم ارى ان نسبة كبيرة من الصم والبكم يمتلكون ذكاء حاداً، بل ويتميزون بالفراسة، فقد أنعم الله عليهم بنعم كثيرة تعوضهم عن الحواس التي فقدوها".
 وعن آلية  قبول التلاميذ في المعهد قالت: "نستقبل الطفل من أربعة أعوام في الصف التحضيري وهو بمثابة الروضة ليتعلم الطفل فيه كيفية التعامل مع أقرانه والسلوكيات والاختلاط واللعب وأيضا لغة الإشارة، كما يمكن لأحد من ذوي الطفل الحضور معه لتعلم  لغة الإشارة، ثم يخضع الطفل للفحص الطبي من قبل مركز السمع والتخاطب لتزوده اللجنة الطبية بتقرير طبي يمكنه من الالتحاق بالمعهد".
واشارت الى: ان مناهج المعهد هي نفسها مناهج طلاب الابتدائية الأسوياء، كما يتوجب على المعلمين دخول دورات تعليمية للغة الإشارة او الاستعانة بقاموس الإشارة".
 
الرأي الطبي
و كانت محطتنا التالية مع مختصة السمع والتخاطب في مستشفى الحسين التعليمي الدكتورة زينب جواد كاظم عبد الرضا، لتوضح لنا الأسباب التي تنتج عنها ولادة أطفال مصابين بالصم فقالت: ان من اهم الأسباب التي ينتج عنها اطفال من الصم والبكم زواج الأقارب بالعوامل الوراثية، أو إصابة الأم بالحمى الشوكية أو إصابة الطفل بها في الأشهر الأولى من العمر، او ترتبط بالتشوهات الخلقية للاذن والعصب السمعي،  كذلك الوضع عند الولادة كنقص الأوكسجين وانخفاض الوزن وارتفاع نسبة المادة الصفراء لحديثي الولادة (اليرقان)، والإصابة بالأمراض المكتسبة مثل أمراض الحصبة الألمانية والتهاب السحايا والنكاف". 
وأضافت "ان هذه الاصابات توثر في عصب السمع، فيتدرج من البسيط الى الشديد، كما يعد السن متغيرا مهما، فالطفل الذي يصاب بضعف السمع في عمر4 سنوات مثلا تختلف حصيلته اللغوية عن طفل أصيب به منذ الولادة  وكلما كان الكشف عن الإعاقة مبكرا كان ذلك افضل، وذلك  للاستفادة من البقايا السمعية والعمل عليها لتجنيبه العديد من المشكلات النفسية التي قد تنشأ نتيجة مرضه كالانسحاب العدواني وضعف الثقة بالنفس".
 وأشارت الى "ان اكتشاف الطفل الذي يعاني من فقدان السمع سريعا،  يجعله يحصل على الدعم في وقت مبكر وازدياد فرصة تعلم اللغة المنطوقة، وهناك انواع لضعف السمع منها ما يحتاج جراحة او معالجة او زرع قوقعة او استخدام سماعة حسب الحالة، وايضا يتطلب تأهيل الشخص ليتعلم كيف يسمع ويستجيب للأصوات ويميزها للحد قدر الامكان من لغة الاشارة و الاعتماد على حركة الشفاه في فهم الكلام".                                                                                                                                         
أسبوع الطفل الأصم
أما عن دور وزارة العمل برعاية معهد الأمل حدثتنا مديرة الرعاية الاجتماعية في كربلاء المقدسة ثورة مهدي الأموي قائلة: "ان معاهد الصم والبكم اسهمت بفتح آفاق جديدة نحو هذه الشريحة بكيفية تعلمهم لغة الإشارة، والكتابة والقراءة ليسهل تأقلمهم مع العالم الخارجي، كما يوجد في كل محافظة معهد واحد للصم والبكم، و يضم معهد الامل (70 طالبا)، وقد حظي المعهد بدعم كبير من العتبة الحسينية المقدسة بتزويده بالكراسي والسبورات و وسائل الإيضاح".
وأضافت "كما خصص في الشهر الرابع من كل عام اسبوع للطفل الأصم، وهو أسبوع يتضمن  فعاليات ونشاطات في كل يوم، اذ يتضمن زيارة لأحد المسؤولين، ومعرضا للرسم وايضا زيارة طلاب الجامعات والمدارس وتقديم الهدايا لهم، اذ تثمر هذه اللقاءات عن جسور من التواصل بين الناس لترفع عنهم الخجل والتردد من الاختلاط، هذا وقد حصلنا على موافقة من وزارة التعليم لدخولهم امتحان البكالوريا ومنحهم شهادة المرحلة الابتدائية للاستفادة منها مستقبلا".

 

وفي الختام ناشدت الأموي الوزارة بالنظر في تأهيلهم الى مراحل دراسية متقدمة من اجل اكمال تعليمهم، ومواصلة مسيرتهم التعليمية .