أزهر الحزن فعلاً

الثلاثاء 01 كانون أول 2020 97

أزهر الحزن فعلاً
باسم عبد الحميد حمودي
 
بالامس القريب 25 تشرين الثاني، انتقل الصديق العزيز فاضل السباعي المقيم في دمشق الى جنة الله ..كما أراد واشتهى. أجل.. رحل فاضل أبو السعود السباعي حديثاً الى حيث الخلود والبقاء الدائم بعد رحلة حياة دامت 91 عاماً،كنت أزامله في جزء كبير منها منذ عام 1957 عبر المراسلة والنقاشات والكتابات التي أطلعه فيها على خططي وأفكاري  ويفعل هو ذلك.. متى أتيح لنا الحديث، وعندما يصفو الجو بين بغداد ودمشق، أو عندما لايلتفت الساسة الى علاقة  الود والثقافة بين أديبين، أحدهما بغدادي والآخر حلبي يقيم في دمشق ويعشق القاهرة التي درس فيها وتخرج في جامعتها مختصاً بالقانون عام 1956.
امتدت حواراتنا الاخيرة يومياً تقريباً عبر الفيس، حتى انقطع عني منذ ثلاثة أيام قبيل رحيله.
 
شوقي بغدادي
قبل الاستمرار في الحديث عن الفقيد السباعي وضعت هذه الفقرة في مقالتي للحديث عن علاقات السباعي بمجايليه وسواهم.
بعد وفاته بساعات نشر صديقه وغريمه الاستاذ شوقي بغدادي عبر الفيس قصيدة مؤثرة عنه بعنوان  (السباق الطويل) نالت اعجاب المئات من شعراء وكتاب العراق وسوريا ومصر ولبنان والمهاجر.
كان صديقنا شوقي يعاتب فاضلاً على الرحيل قبله ويقول:
وداعاً
 لماذا سبقت الرفاق
 وأنت الفضيل
سآتي لبيتك
 أسأل عنك
فهل فتحوا
سأقول لهم
 أنه لم يمت 
أنه ساكن في فؤادي
 
وتستمر القصيدة موجعة، لم يكن بغدادي يرثي فيها فاضلا بل ذاته وكل رجال جيله الذين صنعوا أدب سوريا الحديث  ووصفوه.
ولم يكن السباعي على صفاء مع الصديقين بغدادي وعلي عقلة عرسان لاسباب تتعلق بتوجهه السياسي اليميني الحر، لكنه لم يكن منتمياً الى أحزاب أو تيارات معادية للنظام، بل كان كثير النقد بقدر ما كانت المؤسسة الاعلامية في سوريا قد فتحت الباب عريضا لكتاباته الحرة حتى وفاته رحمه الله.
كان رحمه الله يشكو أمراض الشيخوخة العادية ولكنه كان يجد في حديقة المنزل ملاذه وفي (الكباد ) بتشديد الباء سلوته في التناول الصباحي، وكان العزيز فاضل يشكو وحدته في منزله الجميل فقد سافر كل اولاده وبناته الى المهاجر عدا السيدة خلود المقيمة في منطقة (دمر) بينما كان هو يقيم في (نوري باشا) في دمشق وظلت ترعاه حتى وفاته.
كان الفقيد قد رحل لفترة الى الولايات المتحدةملتحقاًباولاده وبناته في ولاية فلوريدا وظل يراسلني وغيري من هناك لكنه عاد الى دمشق.. المدينة الساحرة التي عاش فيها بعد درعا وحلب (المدينة التي ولد فيها واسس مع سواه فيها جماعة
 الأصدقاء).
أصدر السباعي أكثر من ستين كتابا في الرواية والقصة القصيرة والدراساتالأندلسية والأطفال والتراث وله اسهامات اذاعية وتلفازية متعددة منها مسلسله (البيوت أسرار) الذي يتشابه عنوانه مع مسلسل تلفازي لي دون أن تتشابه التفاصيل، وكانت أهم مجاميعه القصصية (الشوق واللقاء) التي اصدرها شابا ودارت عليها نقاشات ثرة في مجلتي الاديب والآداب ايامها، ومن رواياته العديدة تميزت روايته (ثم أزهر الحزن) لوضع مؤلفها يده بشفافية المبدع على أوجاع الناس والوطن.
رحل السباعي فاضل هكذا مثلما يرحل كل البشر عن شيخوخة صالحة وقدرة ممتازة على العمل المبدع حتى رحيله، وكان رحمه الله يدرك انه سيفارق قريبا وقد كتب في صفحته الشخصية  في 12-11-من هذا العام قائلا:
( يا الله  لقد اتعبتني أوجاع الجسد وصروف الحياة..فخذني اليك )
وكان يشكو تعب الجسد وانشغال الفكر فكتب يقول في السادس من آب الماضي:( دوائر التذكر عندي تضيق ومساحات النسيان تتسع) ومن يكتب مثل هذا الكلام  لايبدو ناسيا، بل متعبا فقد وهن الجسم بعد أن خاض صراعات الفكر طويلا وتجاوزته معارك الزمن.
كتب لي رحمه الله يوما يقول انهم في اتحاد الكتاب لم يطبعوا له كتابا رغم انه من المؤسسينوان فلانا وفلانا(وسماهم بأسمائهم  ) لم يكونوا ينشرون له او عنه في المجلات الثقافية المرموقة بعكس جماعتك في بغداد  الذين يعتزون
 بك. 
وقد قدت مؤتمرهم الرابع في الاتحاد وكنت رئيسا لتحرير عددمن المجلات,وكنت دوما أداعبه بالقول(هذا جزاء من يمسك العصا بالعرض  ويعارض التيار) وكان يجيب بلا تحفظ (ذلك شأنك.. وشأني أن
 اخالف) !
قلت له يوما (انهم في المجلات اليومية في الصحافة ينشرون لك كل شيء) فأجاب(أكثرهم تلامذتي وهم القائمون على الصحافة الثقافية في سوريا ولكني تحدثت عن كهول الاتحاد  لا عن
 الشباب ).
اخر معاركه كانت مع  الاستاذ حيدر حيدر الذي هجاه  وتعرض له بسبب موقف واخر، لكنه اجاب بهدوء وأعانه البعض ممن انتصر له فيما سكت الاستاذ حيدر عن نقاش غير مجد مع رجل قدم الكثير لبلده على وفق فكره الذي  اقتنع به
 رحمه الله.
لم يكن فاضل السباعي منتمياً لجماعة بل منتمياً للحرية وحدها وللوطن وحده وحسبه هذا .