الليبرالية العراقية!

الثلاثاء 01 كانون أول 2020 126

الليبرالية العراقية!
جواد علي كسار
هل يمكن الحديث عن ليبرالية عراقية على مدار مئة سنة مضت، هي تأريخ الدولة العراقية الحديثة؟ سؤال عرضته على نفسي مرّات، وأنا أُدرك تماماً أن الليبرالية مفهوم إشكالي في الفلسفة والفلسفة السياسية، والمذهبيات السياسية، وأنها أقرب ما تكون إلى المفهوم الزئبقي، لا تكاد تُمسكه في شكلٍ، حتى يتغيّر ويفقد ثباته ففي اللحظة نفسها التي يُخيّل إليك أنك قبضت المفهوم وجعلته بين يديك، يتحوّل إلى شكل آخر، وهذا هو شأن العقلانية والحداثة وبقية ما يشاكلهما من مفاهيم وقضايا في الفكر المعاصر. لكن إذا أخذنا الأمور بمعيار التبسيط والاختزال، فإن الليبرالية هي مذهب الحرية، ومن ثمّ يُفترض أن تكون الليبرالية الفكرية هي الحرية العقلية، أسجّل هذا مع أنني أعلم أن الليبرالية ليست نزعة عقلية مجرّدة، بل هي منظومة تتخطى الاقتصاد والسياسة، إلى الإنسان نفسه في بعده الوجودي والقيمي والأخلاقي.
أعود لعرض السؤال مرّةً أخرى: إذا أخذنا بالرؤية الاختزالية المبسطة، التي تُفيد أن الليبرالية هي محض خيار موسّع للعقل وإعادة التفكير، وليست ايديولوجية سياسية، ومذهباً في الاقتصاد، ينشأ عنهما نظام اجتماعي ومنظومة قيمية للإنسان؛ فهل يمكن الحديث عن ليبرالية شهدها العراق، بهذه الحدود إبّان المدّة من تأسيس الدولة العراقية عام 1921م حتى اليوم؟
لا يعنيني في هذه العجالة التحليل التأريخي لأركان المذهبية الليبرالية في أوروبا، من ميكافيللي الذي أبدع أحد نصوصها التأسيسية، وجون لوك وجهده في التأسيس الفلسفي، وروسو وما بذله في تشييد بنائها، بلوغاً إلى لحظة فوكوياما الذي أراد لها أن تكون خياراً وحيداً يغلق على أساسه التأريخ، بل ما يعنيني هو الواقع العراقي خلال القرن الأخير.
فعندما نأخذ لحظة علي الوردي في حقل الاجتماع، ومحمد حسين كاشف الغطاء في مجال الاجتماع الديني، وحسام الدين الآلوسي في الفلسفة، وأحمد الوائلي في الوعي الديني، ومصطفى جمال الدين وعلي جواد الطاهر في جانب الأدب، وجواد علي في البحث التأريخي؛ حين نأخذ هؤلاء ومن على شاكلتهم بوصفهم بواكير الليبرالية العراقية وروادها، فسيكون السؤال الخطير، هو: لماذا لم تنمُ هذه الحالة وتدوم؟ ولِمَ لم تتحوّل إلى ظاهرة صاعدة في حياتنا الثقافية، ليكون لها تأثيرها في حياتنا السياسية، من باب التلازم أو التأثير المتبادل بين المعرفة والسلطة؟
ما دفعني إلى إثارة هذا التساؤل ليس التأريخ بل الحاضر، فأنا أقرأ تعثّر التجربة الديمقراطية بعد التغيير، وأُعيده إلى الخلل الذي تنطوي عليه حياتنا العقلية والمعرفية والثقافية، لأن العلاقة ما بين الليبرالية والديمقراطية، هي علاقة النظرية بالتطبيق.
معنى ذلك أنه لا يمكن للديمقراطية أن تنمو وتتكامل، من دون ازدهار مسبق في الجانب العقلي والمعرفي، وبلا إهمال بقية العناصر، وفي مقدّمتها الاقتصاد!