شاكر مصطفى سليم.. رهانات الانثروبولوجي النقدية

الأربعاء 02 كانون أول 2020 215

شاكر مصطفى سليم.. رهانات الانثروبولوجي النقدية

 د. يحيى حسين زامل*

 
 
حين يراهن أحد على أهمية "الأنثروبولوجيا" فهذا أمر جيد في زمن أعلن فيه البعض موته كعلم، وفضّل آخرون "الاستشراق" على "الأنثروبولوجيا"، ودعت فئة أخرى أننا في زمن الما بعديات، وآخر أنه علم للاستعمار، وبالوقت نفسه أعلن عالم عراقي أن الأنثروبولوجيا تحيا بالنقد، لذلك مارس "أنثروبولوجيا نقدية" في عصر كان فيه الأنثروبولوجيون شغوفين بالأثنوجرافيا والوصف فحسب. 
 مارس "شاكر مصطفى سليم" النقد الاجتماعي والسياسي، لكنه غُيّب لعقود حتى لا تجد له صورة أو عنوان، وهذا التغييب جاء نتيجة لتهمة القومية التي لصقت به فكونت بيننا وبينه حجاباً من جهل، وجداراً صلباً من الغياب، وفي سبيل قراءة موضوعية للرجل ينبغي إزالة كل هذه الحجب، وإزاحة الغبار عن صورته، التي غيبتها السياسة ودعاة الأفق الضيق، فكل ما فعله الرجل- بحسب العديد من الباحثين- أنه انتقد تدخل السياسة بالتعليم، وانتقد تسنم غير الكفوء بالمناصب العلمية والاكاديمية، في فترة حرجة وانتقالية من الحكم الملكي إلى الجمهوري، وهذا ما حصل قبل سنوات في جامعاتنا، حيث تدخلت الاحزاب والقوى السياسية في التعليم، في فترة انتقالية من النظام البعثي إلى التعددي، فسكتنا وذلك أضعف الأيمان، ولم يسكت "سليم" فتعرض للسجن، والفصل، والطرد من 
الوظيفة. 
 
سليم.. رائد الأنثروبولوجيا العراقية
شاكر مصطفى سليم (1919- 1985)، رائد الأنثروبولوجيا الأول في العراق ومؤسسها مع ثلة من الأنثروبولوجيين، أمثال الدكتور الراحل "قيس النوري"، والدكتور الراحل "علاء الدين البياتي"، والانثروبولوجي الراحل "خالد الجابري".. وغيرهم، من الذين أسسوا هذا العلم الحديث (الإناسة) في العراق، وهو صاحب دراسة "الـﭽبايش" التي أثبتت أنّ عالماً عراقياً درس الأهوار بصورة أفضل من الأجانب الذين انبهرنا بهم مثل "كافن يونغ"و"ولفردثيسكر"، والتي يأسف عالم الاجتماع العراقي "حنا بطاطو" لعدم وجود دراسات عن المجتمع العراقي مثلها، وهي بمثابة شهادة دكتوراه فخرية لـ"سليم".
 
سليم .. وبورديو
"سليم" الذي غيبته السياسة العراقية، كان ضحية ظروفها السياسية والاجتماعية  المضطربة، بسبب انتقاده للنظام السياسي القائم بعد ثورة 1958، والسياسة التي كانت سائدة فيه، من خلال مقالات نشرتها جريدة الحرية في العام 1960، فتعرض للسجن والطرد والتهميش بشكل كبير. وهذه التجربة القاسية تشير إلى خطورة العلوم الاجتماعية، كما يرى (السيسيوـ انثروبولوجي) الفرنسي "بيير بورديو"، لأنها علم مهدِّد يكشف عن أقنعة المجتمع، وخطورة أن يفصل فيها الباحث الاجتماعي نفسه عن الحس النقدي، أو يبتعد عن كل ما يمس السلطة من قريب أو بعيد، وإلا تكون نتيجته السجن أو الموت.. لست بصدد تأييد أو تفنيد موقف "سليم" السياسي بقدر ما يهمني موقف العالِم، أو الباحث الاجتماعي أو الأنثروبولوجي من الإنسان والحياة وحرية الاختيار لهذا الطريق أو ذاك، ولست معاصراً له حتى أستطيع تقبل موقفه أو رفضه، ولا أدري أكان على صواب أم كان على خطأ، ولكني أحترم وجهة نظره مهما كانت، فللسياق  أثره الكبير في مواقف الرجال والشعوب والمجتمعات. 
 
بين العمارة وبغداد
ولد "شاكر مصطفى سليم العزاوي"، في مدينة العمارة عام1919، وعاش ونشأ في أجواء العمارة وأنحائها المختلفة، وتنسم هواءها الريفي العذب، وانطبعت في ذهنه الاهوار وما تحوي من بشر وقصب وماء، وتشبع بحبها بصفتها موطن الحضارات القديمة، وأولى الثقافات البدائية التي توزعت بين أنحاء العالم، والتي تركزت عليها الدراسات الانثروبولوجيّة الأولى والرائدة، مثل دراسة "التروبرياند" للأنثروبولوجي البريطاني "برنسلاو مالينوفسكي"، ودراسة "الأندمان"  للأنثروبولوجي البريطاني "رادكليف براون" والذي تأثر بهما "سليم"، وأتبّع منهجهما في "البنائية الوظيفية"، فدرس "الـﭽبايش" في الجنوب العراقي.
 لقد أنهى "سليم" دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدينة العمارة، ولكنه لم يكن من اهلها، بل كان من أسرة بغدادية تسكن في محلة "راس الساقية" في باب الشيخ، وكانت أسرته من متولي جامع الخفّافين، ومنهم الحاج عبدالرزاق مصطفى سليم المتوفى سنة 1954، وهو من أهل الفقه والعلم، ولكن والده انتقل لمدينة العمارة موظفا حكومياً، فولد شاكر فيها.
 
سليم والأنثروبولوجيا
 درس "سليم" في بغداد والقاهرة، وحصل على الدكتوراه من جامعة لندن في الانثروبولوجيا، وهو أول أستاذ عراقي أدخل هذا الاختصاص إلى جامعة بغداد، وادخل مادة دراسة المجتمع العراقي، وذاع اسمه وشهرته عند تصديه بقوة للأوضاع السياسية والاجتماعية التي حدثت بعد عام 1959، وبفضل جهوده أدخل تدريس "الانثروبولوجيا" لأول مرة في كلية الآداب، ثم أصبحت مادة ثابتة من مواد الدراسة في جامعة بغداد، وهو من الشخصيات العراقية الأكاديمية التي أدت دوراً بارزاً في العقد الخامس والسادس من هذا القرن في مجال البحث والنقد الاجتماعي، وهو صاحب أول دراسة أنثروبولوجية عراقية في مجتمع الأهوار العراقية، والتي صدرت باسم "الـﭽبايش" وتنقسم على جزأين، وقد طبعت سنة 1956- 1957، والتي أجريت في العام 1953، إذ قضى "سليم" عاماً كاملا واصفاً المجتمع القرويّ في جنوب العراق، واصبحت هذه الدراسة في ما بعد مصدراً رئيساً للعديد من الدراسات الأنثروبولوجيّة والاجتماعيّة في العراق وخارج العراق.
سليم.. والنقد الاجتماعي
    الممارسة النقدية هي منهجية يستعملها الباحث والناقد لفهم المجال المعرفي وتقييمه، ورغم أن مجالات المعرفة مختلفة ومتعددة، ولكنها بكل الأحول تعتمد على مفاهيم النظرية النقدية، وأساليبها التحليلية، على نطاق محدد من المشكلات والمواقف، وتهدف الممارسة النقدية إلى تطوير القدرة والمهارة لرؤية ما يتجاوز المشكلات المعتادة لأية مهنة معينة، للوصول إلى آثارها السلبية غير المقصودة، وأسبابها وعواقبها والقيام بذلك من خلال منظور نقدي وتقييمي، ولقد مارس "سليم" النقد الاجتماعي وفق منهجية اجتماعية وأنثروبولوجية لأحداث سياسية متصارعة في جريدة الحرية، كما ذكرنا سابقاً، وعُدّت كتاباته في الصحف تهكمية واستفزازية للمسؤولين في جامعة بغداد، وكانت عنوانات مقالاته مثيرة من قبيل: "دكتوراه للبيع" و"أما كان السكوت أولى يا جامعة بغداد؟ " و"يتهمني البعض". مما أثارت انتباه قراء الجماعات المتصارعة، وكان نقده أحادي الجانب، أي أنه انطلق من الجانب القومي ضد الجانب الشيوعي،(كما يصفه الدكتور معن خليل عمر)، أثناء حكم الزعيم "عبدالكريم قاسم" فتعرض لمشكلات سياسية ومهنية أدت به إلى السجن (وقد ذكر "سليم" تفاصيل السجن في كتابه مذكرات قومي متآمر بالتفصيل)، والإِبعاد والنقل من كلية إلى أخرى، ثم الفصل منا لوظيفة، كما يصفه الدكتور "فخري العزاوي" بالمثقف العضوي الذي حارب تسييس الجامعة عام 1959- 1960 فسُجن وفُصل، بينما يصفه "ابراهيم خليل العلاف"، بأنه: ذو أسلوب ساخر، وتهكمي في مقالاته، كما كان عروبياً قومياً في توجهاته السياسية، واغلب الظن انه كان مستقلاً لا ينتمي إلى أي حزب.
 والاشكالية هنا هل كان محقاً في نقده؟. وهل كان الوضع يساعد على ممارسة النقد بكل حرية؟. أم كانت شجاعة منه في التصدي لأحداث ووقائع جرت في تلك السنوات؟، فعانى ما عانى من مخلفات النقد ونتائجه القاسية، والتي انعكست على حياته وعزلتها بشكل كامل، وبصرف النظر عن كل هذه التساؤلات يبقى السؤال الرئيس أليس من حق الباحث الاجتماعي أن ينتقد الأوضاع ؟. حتى لو كان مخطئاً، ليتبين له الصح من الخطأ، ولكن من أين لنا سعة الصدر، ومن أين لنا تقبل الرأي والرأي الآخر، في مجتمع شرقي خارج للتو من تجربة سياسية مرّة، كما أن زميلاً له عانى ما عانى، إلا وهو عالم الاجتماع الدكتور "علي الوردي"، فهو الآخر تعرض للكثير من المعاناة من جراء نقده للمجتمع وسلبياته، وهمّش بشكل كبير من قبل النظام السابق.
 
أعمال شاكر الأنثروبولوجية
 لقد قدم "سليم" خلال ربع قرن من حياته الأكاديمية عطاءً علمياً كبيراً للمختصين في الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع، كما في دراسته عن "الـﭽبايش" وهي دراسة عن الأهوار في جنوب العراق، وقدم فيها وصفاً أنثروبولوجياً وثقافياً عن اسلوب الحياة في الأهوار، مع تفاصيل دقيقة عن الجانب الاجتماعي والاقتصادي والطبقي، وكذلك "محاضرات في الانثروبولوجي" عام 1959، وترجم كتاب "الإنسان في المرآة" عام 1964، وهو كتاب يبحث علاقة الانثروبولوجي بالحياة المعاصرة، من تأليف الأنثروبولوجي الأميركي "كلايد كلوكهون"، وكتب أول قاموس انثروبولوجي، انكليزي عربي (1981)، الذي ضم قرابة 5055 مصطلحاً أنثروبولوجياً، وكذلك كتابه "مدخل الى الأنثروبولوجيا" عام 1975، وترجم كذلك كتاب "مقدمة في الانثروبولوجيا الاجتماعية"، تأليف "لوسي مير" 1983، فضلا عن كتب أخرى كتبت بالإنكليزية. وفي مجال الصحافة والإعلام قدم نقداً سياسياً كبيراً من خلال مقالات نشرت في جريدة الحرية، والتي نشرت في ما بعد في كتب منفصلة، مثل (مذكرات قومي متآمر) عام 1959،و(الإعصار الأحمر)عام 1960، و(نضال وحبال 1963) و(محكمة حسن الرﮔاع)، وفي الجانب الأدبي نشر قصة (الطيش القاتل) في العام 1936.
 
نحو أنثروبولوجيا نقدية عراقية
 لعل من المهم الإشارة هنا إلى التحول المنهجي في حياة "سليم" من البنائي الوظيفي أو الوصفي إلى النقدي، فقد بدأ الرجل وصفياً وبنائياً وظيفيا من خلال دراسته (الـﭽبايش)، وانتهى معرفياً نقدياً، من خلال مقالاته في جريدة الحرية، والتي انتقد فيها الظواهر والأحداث السلبية حسب وجهة نظره، ليؤسس بذلك أنثروبولوجيا نقدية عراقية، تضع خطواتها الأولى على الطريق، ولكنها مع الاسف لم يكتب لها النجاح.
 ولعل من أهم الدروس في هذه السيرة المهمة للأنثروبولوجي "شاكر مصطفى سليم" هي أن تبقى الجامعات بعيدة عن السياسة وصراعاتها، مهما بلغت الظروف والأحداث، لأنها تؤثر بشكل سلبي في سير العلم والتعليم، ولعل في الأحداث المعاصرة اليوم ما يشير إلى هذا الخلل، من تدخل السياسة وانعكاس ذلك على التعليم والعلم.  
 
             *باحث في الأنثروبولوجيا