دراجــة {روتـــه}!

الأربعاء 02 كانون أول 2020 81

دراجــة {روتـــه}!

 عبدالزهرة الهنداوي

 
تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام، مقطع فيديو قصير، يظهر فيه رئيس الوزراء الهولندي مارك روته، الذي استلم مقاليد هذا المنصب  منذ ٢٠١٠، وهو يركب دراجة هوائية، بين مجموعة من مواطنيه، وحظي هذا المقطع، بتعليقات كثيرة، واغلب المعلقين، ان لم يكن جميعهم، كانوا يقارنون، بين دراجة "روته"، والمواكب الجرارة لمسؤولينا، وما يرافق تلك المواكب من إجراءات أمنية، تتسبب بمضايقات 
كبيرة للناس.
وقطعا، ان كلا السلوكين له اسبابه، فركوب "روته" دراجته الهوائية، وسيره في الشوارع أسوة بالناس، ممازحا اياهم، وان كنت اجزم، ان أمن 
الرئيس في دول أوروبا وأميركا، يعد اولوية اولى، فرجال الامن غير الظاهرين، موجودون، حيثما تحرك الرئيس، وستجدهم اسرع من البرق، لو تعرض رئيسهم لأي خطر حتى وان كان محتملا، أقول، ان هذا السلوك يشير إلى  ان أوروبا قطعت شوطا بعيدا في تأصيل الديمقراطية، وترسيخ حقوق المواطنة، وبالتالي، لم يعد المسؤول يخشى مواطنيه، وان كانت ثمة خشية، فهي لاتظهر في مقطع فيديو لعدة ثوان، قد يكون الهدف منه الترويج لبلادهم، ولكن كيفما يكن، فهو يمثل رسالة مهمة وذات اثر إيجابي على المستويين الداخلي والخارجي.
وإذا عدنا إلى المشهد العراقي، وامتلائه بمواكب المسؤولين، وطرحنا تساؤلا، لماذا نحن 
هكذا؟
فان الإجابة ستكون بمحورين، الأول امني، اذ من حق المسؤول بوصفه مكلفا بخدمة عامة، ان يحظى بالحماية الكاملة التي تمكنه من اداء مهامه، ولكن لا ينبغي ان تكون حماية مبالغ بها، وان تتواءم  مع الضرورة الأمنية، والإمكانات المالية، وهذه الثانية لم يتم الالتفات اليها!.
أما المحور الثاني فيرتبط بالمنظومة القيمية الاجتماعية عندنا، التي تختلف  كثيرا عن نظيرتها الاوربية، فالعربي، بطبعه، يحب الفخفخة، والكشخة، والاستعراض، اذ  يشعر  معها بالزهو، ولعل قضية الكرم والافراط في اقراء الضيف، احد تلك المظاهر، فعندما يأتينا ضيفان اثنان، مثلا، نحرص على إعداد  وليمة تكفي  لـ(20) شخصا، ثم نرمي ذلك الطعام في الحاوية، من دون "وجع گلب"!!، 
حتى وان كنا نعاني من شظف العيش، كما ان العملية السياسية في العراق، وبما تحمله من عيوب تأسيسية، بُنيت في جانب كبير منها، على هذه القيمة المجتمعية، وهذه صفة يتشاركها العرب بشكل او بآخر، ولو افترضنا جدلا، ان  احد وزرائنا قرر ان يركب دراجته ويذهب إلى الوزارة، ماشيا بين الناس، كما فعل "روته" الهولندي، فما الذي سيلاقيه في الشارع؟، وهل سيسمح له موظف الاستعلامات بالدخول إلى الوزارة؟!
لا اعتقد ان الأمر سهل، في ظل الواقع الأمني والاجتماعي، فنحن بحاجة إلى عشرات السنين، للوصول إلى المنطقة التي وصلها "روته" بدراجته، فالأمر يحتاج، إلى اعادة بناء المنظومة الاجتماعية، بصورة نكون فيها قادرين على استيعاب مشهد رئيس الوزراء راكبا دراجته، وهو يلوح بيديه للناس الذين يصادفونه في الشارع، بعيدا عن الفخفخة والاستعراض.