رجل عراقي !

الأربعاء 02 كانون أول 2020 137

رجل عراقي !
حسن العاني
منذ ربع قرن ، أي في عام 1995 تحديداً ، وهي سنة تعيينه ، وحتى عامنا المبارك هذا ، والرجل ثابت على عادته لم يغيرها ، مع ان كل شيء من حوله تغير ، فهو مثل كل يوم يستيقظ فجراً ، يصلي ويتناول فطوره ثم يغادر البيت في تمام السادسة والنصف صباحاً ... ينسحب ببطء وكأنه مسافر من دون عودة ، وعلى مهل يغلق الباب الرئيس وراءه ، ويقرأ آية الكرسي والمعوذتين وما يحفظ من ادعية .. ويمضي الى عمله مصحوباً بدعاء امه ولاحقاً بدعائها ودعاء زوجه ان تكون رحلته مباركة ويعود بالسلامة !!
ومثل كل يوم عليه ان يقطع المرحلة الأولى من الطريق ، حيث تنقله المركبة من حي الشرطة الخامسة الى ( كراج البياع) .. يشتري صحيفتين اعتاد على شرائهما ، ويلقي نظرة سريعة على عناوين المطبوعات ، قبل ان يستقل المركبة التي تقله الى باب المعظم ، وهي المرحلة الثانية والأخيرة من الطريق ، حريصاً على الجلوس عند مكانه المفضل الى جانب النافذة .. يتابع مشاهد الحياة وحركة الشوارع!
ومثل كل يوم يسمع تآففات الناس ويلاحظ مغامرات السواق وهم يصعدون على الرصيف او يعبرون الجزرة الوسطية او يدخلون في زقاق ، وكلما تخلصوا من اختناق مروي استقبلهم اختناق اعظم هنا او هناك ، يضيق معه التنفس ويتعكر المزاج وتتصاعد مناسيب الكآبة ... لاجديد في الشوارع ، نفايات على هيأة تلال تعبت منها الأرصفة وضجرت ، فتوجهت الى المنازل وتسلقت جدران المدارس واسيجة المباني الحكومية ... انقاض طابوق مهشم وحديد متآكل وكتل كونكريتية وبقايا اسلاك شائكة ... ترسم وجه بغداد ، ولايبدو ان احداً يعنيه ( لا المسؤول ولا المواطن) ماتتعرض له عاصمة الف ليلة وليلة ، او يعير بالا لاحزان شهرزاد .. ومثل كل صباح يصل الى دائرته متأخراً...
في المساء وعلى ضوء الفانوس عادة بسبب مشكلة الكهرباء المزمنة منذ ربع قرن يقلب الجريدتين ، مركزاً اهتمامه على الاخبار ، فالوزارة الفلانية ( تنوي) بناء 6 ملايين وحدة سكنية لمواجهة ازمة السكن ، والدائرة الفلانية تتعاقد مع عدد من الشركات لرفع النفايات ، والوزارة الفلانية تقول ان مشاريعها الجديدة توفر 750 الف فرصة عمل للعاطلين ، والوزارة الفلانية تعلن عن تحسن كبير في الطاقة الكهربائية ، وفي الصيف المقبل سيصل تجهيز المواطن بالكهرباء الى 22 ساعة يومياً ، والمديرية العامة الفلانية تنوي غرس أربعة ملايين شجرة في العاصمة ، والمسؤول الفلاني يؤكد ان الحد الأدنى لراتب المتقاعد سيكون 700 الف دينار ، والمسؤولة الفلانية تؤكد بان خطتها الجديدة تتضمن تعبيد الازقة الداخلية في 21 حياً من الاحياء الشعبية في العاصمة ، والسياسي الفلاني يتحدث عن اهتمام الحكومة الكبير بأوضاع الإعلاميين ، والوزير الفلاني يقول بان وزارته انتهت من فرز مئة الف قطعة ارض سكنية سيتم توزيعها بين الاسر الفقيرة ، وسيادة فلان الفلاني يزف بشرى للعراقيين بانه تم الانتهاء من وضع خطة اصلاح شاملة اقتصادية وزراعية وثقافية وامنية واجتماعية سيبدأ العمل بها في القريب العاجل.
ومثل الليالي السابقة، يتصرف كذلك في ليلته الجديدة حيث يضع الصحف جانباً ويتثاءب ، ولاينسى ترديد عبارته الاثيرة
(كلام جرايد) ثم يغط في نوم عميق!!