الشرق (المُتخيَّل) كيف يُفكِّر العقل الثقافي الغربي بالشرق؟

الخميس 03 كانون أول 2020 134

الشرق (المُتخيَّل) كيف يُفكِّر العقل الثقافي الغربي بالشرق؟
  يوسف محسن 
ازدهر فنّ الهايكو ونضج في القرن (17) على أيدي الشعراء اليابانيين، المتمثّل بكلاسيكياتهِ وفلسفة “عقيدة الزن” التي هي رحمُ الهايكو وروحه، أي الاستغراق في التأمل وصولا إلى الاستنارة واليقظة، وهي المبادئُ التي أسّسها الرهبان الثلاثة باشو وبوسون وإيسا، وترجع أصوله إلى الرينغا منذ القرن(15) وبدأ رحلته من اليابان إلى أميركا ودول الغرب، وتمت محاكاته والكتابة على منوالهِ والتخلّي عن إيقاعهِ وقالبهِ الصوتي، 
يكشف تييري هنتش في كتابه (الشرق المتخيَّل)، آليات تفكر العقل الثقافي الغربي في (الشرق) وطبيعة العقل الجمعي الذي يرزخ تحت الرواسب الخرافية والخيال الأسطوري في نظرته للآخر.
 يكتب هنتش (إن التاريخ الذي نحن جاثمون عليه يدعونا للتفكير في أرضية حياتنا اليومية، وللحفر كاشفين عن الطبقات المترسبة المكونة له، ولا يغير في حقيقة صلابتها شيئاً أن تكون هذه الرواسب خرافية بعض الشيء، فالأساطير على غرار الصخور ترزح تحت ثقل الزمن عبثا نحاول تحطيمها، فمن الأجدى أن نحاول قراءتها ثانية قراءة متأنية بغية فهمها فهماً أصح، وفهم الوظيفة التي كانت لها وتلك التي مازالت تؤديها، إن السعي لفهم أنفسنا عبر رؤيتنا للآخر يعني الغوص وصولا إلى مصادر ما هو عفوي، والتفكر في ذاتنا وفي موقفنا السياسي بإزاء الآخر، موقفنا؟ لنقل الموقف الذي ترمي معظم الإعلاميات الغربية إلى إقناعنا به بوصفه موقفا خاصا بنا، قبول يسهل بلوغه لا سيما أنه يرتكز إلى أرضية نجثم عليها وكلنا اعتقاد أننا ندركها، ولكن هل ندركها فعلا؟). يتكون الكتاب من ستة فصول وهي: (الحدود الأسطورية، اتحاد وثيق ونزاعات، أصل الانقسام، التباعد الشرقي، شرق الحداثة، شرق القلق).
 
الحدود الأسطورية
لعب الشرق المتخيل سلسلة من الوظائف المتعاقبة عبر مراحل الفكر الغربي المختلفة، لمعرفة الذات الغربية في إطار ثقافي تتحكم به المركزية، إذ يكشف هنتش كيف يعاد صياغة الشرق غير المحدود والمجنون والشهواني في عالم الاختزالات والكليشات النمطية وداخل العقل الغربي او كما يقول (خرج نرمي فيه كل ما يفرزه مخيالنا، الشرق كامن في رؤوسنا، لا وجود للشرق خارج رؤوسنا نحن الغربيين، ولا وجود حتى للغرب، فالغرب فكرة تسكننا كما تسكننا فكرة الطرف النقيض لكنما لا نشعر بالحاجة لأن نعرفه: فنحن الغرب)، اذن (من نحن؟ هل الوجه الآخر للشرق؟ آخر الآخر؟ القطب الإيجابي، التأكيد؟ ولكن أيضاً الوجه السيئ: سالب الموجب) الشرق نور، روح كونية، جاذب سحري لفضائنا الداخلي، ومسافة نبتعد فيها عن حداثتنا الخرقاء، غير أنه عند أدنى حادثة، عند أي لطخة من دماء، تموج الأضواء، ثم تنطفئ، يغور الشرق في وحول خوفنا، يتراجع في النسيان قبل أن يعود إلينا في الحلم لمعان أشياء تافهة نصادفها على مفترق الطريق زخرفة، وهم خادع).
 
ثنائيات مسار التاريخ
يناقش هنتش في كتابه إشكالية البدايات الأولى لظهور الإثنية الثابتة  (شرق ـ غرب)، معتبرا إياها نابعة من ماهيتين أساسيتين متبادلتي التأثير والاختلاط، في السلم كما في الحرب من دون أن تمتزجا بصورة مستدامة، لكنه يعترف بصعوبة الرصد الدقيق للوقت الذي شكلت فيه منطقة المتوسط وسطها وعمقها على الرغم من الانتشار الفينيقي ثم الإغريقي على أطرافه، مقررا أنه بعد انقضاء ألفيات ثلاث، لم يكن البحر هو ما سعى الإسكندر أن يجعله مركز إمبراطوريته إنما بلاد الرافدين، وأنه بظهور روما وحدوث الحروب البونية اقترن بالمتوسط مدلوله الاشتقاقي ألا وهو (البحر الذي يتوسط الأراضي)، ذلك البحر، الذي يرى فيه المكان المفضل والأرضية الجغرافية والتاريخية التي لا مفر منها لدراسة العلاقات شرق ـ غرب، بينما العصور القديمة تشكل نقطة الانطلاق الإلزامية لتك الدراسة، لكن هنتش يشكو ندرة المصادر المباشرة، وهو ما يعطي التفاسير الأسطورية كامل وظيفتها، وأنه لا بد من العودة إلى كبريات الحضارات الأولى لآسيا الغربية ومصر قبل هوميروس (القرن الثامن ق . م) وصولا للعصر الكلاسيكي الأثيني حتى (القرن الخامس)، مرجحا استمداد الغرب الحديث بالضرورة مرجعتيه الثقافية الرئيسة من بلاد الهلال الخصيب الممتدة من النيل إلى الفرات. حيث حقق المصريون مآثر في العمارة، ودشنت بابل بشريعة حمورابي (القرن الثامن والتاسع عشر ق. م) القوانين والتشريع قبل روما والصين، هذا ما قاله رينيه غروسيه الذي أكد الأسبقية المعترف بها لحضارات شرق المتوسط والشرق الأدنى.