من الغرفة ( 213 ) إلى الطوفان

الخميس 03 كانون أول 2020 125

من الغرفة ( 213 ) إلى الطوفان
 زهير بهنام بردى
هيثم بهنام بردى رائد من رواد القصة القصيرة جداً قبل أن يليه آخرون، كتب في القصة كذلك، وفي أدب الطفل، والرواية.. منذ [الغرفة 213] تمرد على الشكل وتبنى مغامرة الايغال في ترسيخ هذا التمرد على التجنيس الساكن، يبني مشغله المختلف معتمداً على لغة مسكونة بالاختلاف فيها الكثير من التخيل والتحرر من تماهي الانفعالات الآنية والفضاءات المفتوحة المشحونة بأبعاد سيكولوجية، بحث عن ناتلي ساروت وتكلم معها، استدعى نوئيل رسام، كما انه صاحب ماركيز في مئة عام لم يكملها ماركيز في عزلته، وحين أطل عليه هيجو بائساً ناوله بعض كلمات، أشفق على كليلة ودمنة وسافر في عالمها ليصحب بعض الفتيان. 
هيثم في منجزه يعتمد على الواقع، مما يدل على وعي كاتب متمرس في اقتناص اللغة واصطياد الفن في حس فني متماهٍ، واستدعاء اللحظة الهاربة وتدوينها سردياً متجاوزاً الذات الفردية إلى ذات جمعية معتمداً التشكيل الصوري نفاذاً من الواقعي ممزوجاً بالتخييلي فاتناً بفلسفة المعنى وعمق الدلالة.
(1)
كما أن هيثم يقتنص أية فرصة متاحة من أجل أن يكون أقرب إليك بإبداعه ووصوله إليك، نجح لأنه أبدع وسخّر حياته لأدبه وحضوره وحسن التقاطه للحظات انسانية رقيقة ودقيقة يتفرد بها هو وحده ويصنع قوة سرده محرضاً وكاشفاً وخبيراً وبلاغياً، وهو يأتي إلى مفاصل مهمة لتشكيل فضائه السردي وعمارته اللغوية.
هيثم يبقى حاضراً معك سواء قرأته للمرة الأولى أو عبرت معه نهر كلماته التي لا تنضب، ولعلك ستدهش أنك تبللت ولم تعرف ذلك، هيثم بحق تجربة متميزة حافلة بالريادة والتجدد والحضور البهي.
(2)
لم نختلف إلّا تجنيساً ومن هذا الاختلاف اتفقنا، كنا معاً نحفر في الصخر الجلمود، كنا إلى أقصى فجوة في الضوء، ونتسرب إلى أوديسا الحياة، نجتاز المسافات ونجلبها معنا إلى أي مكان تجلس الحكايات والكلمات والتخيلات والرؤى معنا بأسفارها وجنونها وهذيانها وخرافاتها ومدنها الآفلة، كنا نغرم ونتوق إلى أكثر، نترك الباب مفتوحاً، وأغرب ما في غرفتنا أنها كانت صغيرة الحجم كبيرة العقل، كانت أيقونة داخلية أمام رهاننا الصعب الوصول إلى القليل جداً من الكثير جداً، كل يوم لعله يصير كثيراً ونحن بالانتظار إلى الآن في وقت لم يستطع أن يعزلنا عن التوهج بين الكلمة والحياة ونحن نزرع وقتا قليلاً في الكثير من أعشاب الكلمة، حتى أن “اللوكس” كان يضيق ذرعاً بانهماك عيوننا ويعرف أننا لن ندين انتماء سوى إلى القراءة، وحين يخفت “اللوكس” ويعتزل صحبة الضوء، نستعين بصديقه “الفانوس” كي يضيء بعبثه هشاشة العالم، هكذا كنا نمضي الليل في مأدبة الخيال، وكان الكتاب كأساً والكلمات نبيذاً وكأننا كنا نسمع صوت ريلكة... عليك الآن أن تغير حياتك ومنذ ذاك ألقينا الشص في ماء الكلمة.
استندنا إلى حدس لم يكن يحتاج إلى لا شيء، لم نعبث بحجاب المايا الوهم، استندنا إلى ديونيس لوصف العالم، ولم نفصل بين اللغة والعلم، كنا نؤدي وظيفة حساسة جداً، أن نستعيد الاحساس بالحياة، أي أن نرى بوضوح كيف يشعّ الضوء.
(3)
لم نكن في تلك الرحلة حتماً، لكنها رحلة حدثت في حياة البشرية وما زالت، لم أقصد بالضبط الطوفان حينما أخذ نوح ما أخذه وفاز بلقب أول مهاجر في التاريخ بحثاً عن غريزة البقاء، ولأن بلاد الرافدين مهد للأساطير المدوّنة على ألواح كملحمة كلكامش، لم يكن يبغي هيثم الحكاية الشعبية المتداولة كما هي المعتمدة على سرد ملحمي، بل تأمل فلسفياً الحياة، ومن خلالها ولأننا في بحث يومي عن عشبة والقارب عنقاء تحترق لتولد، فقد تجول هيثم في ذاكرة شيخ وكان فيما يقول في الطوفان ينحت بين اللغة اليومية والحكاية، واذ كانت التوراة أقدم مصدر للطوفان فقد فتح هيثم باباً ليصنع منها قصة قادرة على امتاع المتلقي بلغة سردية طافحة بالضوء.