هل انتهى زمن القلم

الأحد 13 كانون أول 2020 224

هل انتهى زمن القلم
    سرور العلي 
 
"بالنسبة لي لا أستطيع كتابة حرف واحد على جهاز الحاسوب من دون تدوينه على الورق"، بهذه العبارة أكدت الطالبة الجامعية سارة محمد (27) عاماً، اعتيادها على الكتابة التقليدية مستخدمة الورقة والقلم في عصر يضج بالتكنولوجيا وسرعتها التي قد تقضي على ثقافة الكتابة باليد التي تعد أحد الفنون القديمة.

ترويض التكنولوجيا
مع زيادة التطور وإدخال تقنيات حديثة على الأجهزة تكاد الكتابة اليدوية أن تختفي على الرغم من إصرار البعض على استخدام الأدوات التقليدية في تعاملاتهم اليومية، لاسيما كبار السن.
الباحث الانثروبولوجي د.يحيى حسين زامل، بين:" لقد تناولت انثروبولوجيا الاتصال، الوسائل الاتصالية بالدرس والتحليل من ناحية الهدف والوظيفة والدور، ولقد تابعت التطور الاتصالي بين الشعوب والأمم من خلال دراساتها لثقافة الاتصال والتواصل، وفي عصر التنوير أحدث اكتشاف تقنية الطباعة في القرن الثامن عشر طفرة ثقافية كبيرة في المجتمع حتى سمي بعصر الأنوار، وذلك من خلال هذه الأداة المهمة في نشر العلم و الأدب والفن والمعرفة، وكوسيلة اتصال مكتوبة انتشرت في العالم كله، واعقبت هذا الاكتشاف ثورة في عالم الاتصالات من خلال الهاتف والتلفزيون بصفتهما وسائل اتصال سمعية ومرئية، ولم تتوقف الاكتشافات لهذا الحد بل ذهبت بعيداً في ثورة كونية ورقمية هائلة أحالت هذا العالم الكبير إلى قرية صغيرة كما يعبرون، وفي هذا كله الإنسان ينتقل مع هذه الاكتشافات والاختراعات الكبيرة من طور إلى طور، حتى غدت أوراق الطباعة والحبر أقلاماً الكترونية في اجهزة (الكيندل) و(التاب) و(الآيباد)، التي أصبحت بديلا حديثا عن الطباعة والمطبعة الكلاسيكيتين". 
وواصل زامل حديثه "أصبح بإمكان أي فرد كتابة ما يريد في هذه الأجهزة اللوحية والإلكترونية، حتى انعكس ذلك على الوسائل التقليدية القديمة من الكتابة على الورق واستعمال الأقلام، ولكن مع هذا كله ما زال البعض متمسكا بالوسائل التقليدية أما لأنه لا يجيد استعمال الوسائل التقنية الحديثة، ونستطيع أن نسميها أمية تقنية، أو لأنه يشعر بالارتياح أو الاعتياد على تلك الوسائل القديمة، وحتما ستختفي باختفاء هؤلاء بفعل تطور الحياة وتعقدها، إذ لا مجال ولا عمل لهم في عالم رقمي قافز بين إحداثيات أخذت بالتوسع بسرعة هائلة كما يرى زيجمونت باومان".
 
الكتابة الأدبيَّة
يؤكد كتاب وروائيون كثيرون قيمة المسودات المكتوبة بخط اليد في أي عمل أدبي، وأهمية العودة اليها وتحريرها وتصحيحها، ومنح كل فكرة طاقة تنفس ووقتاً لتنضج على الورق، بدلا من حذفها على الشاشة الذكية، فهناك كتاب مشهورون فضلوا الكتابة التقليدية حتى عندما أتيحت لهم فرص استخدام الحواسيب والآلة الكاتبة، ومنهم سيد الرواية العربية نجيب محفوظ الذي ثابر على كتابة رواياته باليد حتى وفاته، وآخرون ومنهم، إرسنت همنغواي، وفرانز كافكا.
الروائي محمد غازي الأخرس أوضح: "منذ قرابة 15 عاماً، تركت القلم والورقة إلا في بعض الكتب والدراسات، وأصبح اللابتوب أهم شيء في حياتي، أقضي معه ساعات طويلة يوميا، فأنا غزير الكتابة، ولمدة عشر سنوات تقريبا كان لدي عمود يومي، فضلا عن عملي الإعلامي، ومن الصعب اليوم العمل في هذا المجال بالورقة والقلم كما كان الأمر قبل عشرين عاما مثلاً، متى استخدم القلم والورقة اذن؟ استخدمها في الدراسات الأكاديمية التي أكتبها وفي الرواية، فالأمر يتطلب تخطيطا ولهذا تتوفر لدي عشرات الدفاتر المتبقية من فترة كتابتي لدراسة الماجستير والدكتوراه".
وأضاف الأخرس"للأوراق سحرها بالتأكيد، لكن الزمن تغير ومعه تغيرت طرائق الكتابة، فمنذ سنتين مثلا صرت أنجز أعمالي أو كثيراً منها عن طريق الهاتف، وأصبحت أوثق مصادري بالتصوير والهاتف نفسه، أما عن فقدان الملفات فحدث معي هذا ذات مرة، فتم ضياع فصول من كتاب كنت أريد انجازه، فاضطررت للعودة إلى الكتابة الخام، لهذا قررت حفظ ملفاتي في أكثر من هارد وميموري".
 
الكتابة حافز
ومن الجانب الطبي فان اضطراب الخط عند الفرد قد يشير إلى الإصابة ببعض الأمراض، إذ يبين الطبيب النفسي جاسم الشمري:" ان الكتابة لدى الأطفال تعمل على تنشيطهم عقلياً، وتولد لديهم أفكاراً كثيرة على عكس طباعة الأحرف على الكومبيوتر، مضيفا "في العلاج النفسي تستخدم الكتابة باليد لتحسين المزاج لدى المريض من خلال كتابة الجمل والعبارات التحفيزية والإيجابية أكثر من مرة، لتهدئة أعصابه ومنحه حالة نفسية مستقرة وجيدة، كما أن كبار السن الذين هم أكثر عرضة للإصابة بالزهايمر والشيخوخة، تعمل الكتابة التقليدية على تحفيز أدمغتهم وتنشيط ذاكرتهم".
د.فلاح إسماعيل حاجم، تحدث عن أهمية القلم قائلا: "كلما قلبت أوراقي القديمة والقصاصات بدت لي وكأنها من تراث الوراقين الأولين الذين لولا قصاصاتهم ومتون مخطوطاتهم لما جاز لنا حتى الحديث عن الفلسفة العربية الإسلامية، والتجوال في دهاليز عهود الأسلاف، فاستذكر نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي حينما كنت أعود مساءً في زمهرير موسكو البالغ القسوة أتوجه إلى الكاتبة الطابعة التي كانت تحاول فك رموز ما سطرته من كلمات بدت بالنسبة لي اقرب إلى اللغة المسمارية منه للغة الروسية الواضحة، ما زلت استعين بالقلم ربما لتحفيز الذاكرة، ولا اخفي أن القلم بات يبدو لي غريبا بين أصابعي".
 
الرسائل الورقيَّة
ما زال معظمنا يحتفظ برسائل ورقية تعود لأحبائنا وأقربائنا تحمل شعوراً وهواجس اختفت اليوم من عالمنا، إذ كانت تلك الرسائل أكثر حميمية وصدقا، فتقول وداد حسن (45) عاما،:"ضاع جمال الرسائل الورقية والسبب هو التكنولوجيا فلم يعد لساعي البريد وجود، وذهبت مشاعر اللهفة والانتظار ونحن نشاهده قادما مع جعبته المحملة برسائل الحب والشوق، فأصبح كل شيء الكترونياً عبر تطبيقات جاهزة ليست فقط لتبادل المشاعر بل لطلب الوجبات الغذائية، والتسوق لطلب المنتجات والبضائع".
و يشير صالح أحمد (50) عاما، إلى"أن في العالم الافتراضي نعيش عزلة وعالماً أزرق خلف شاشات هواتفنا المحمولة، نتبادل الرسائل من دون انفعالات وملاحظة خط اليد الذي يعبر عن مشاعر صاحبه وحالته النفسية وقت كتابته للرسالة، ففيها شعور مختلف وعطر خاص تفتقده الحداثة، فتلك الوسيلة تعيش وتعمر أطول".
جمالية الخط العربي وأصوله في تدهور متزايد نتيجة لإهماله، اذ يحث مدرس اللغة العربية ثامر الساعدي على"إعطاء أهمية للخط العربي والكتابة به، كونه يمثل تاريخا وحضارة وفنا راقيا يوشك على الاندثار وذلك من خلال الاهتمام به في المدارس، وتدريب التلاميذ على الكتابة باليد والتحدث والكتابة بالطريقة السليمة، وعدم اشغالهم بالوسائل التكنولوجية الحديثة، إذ تجسد اللغة العربية قوميتنا وعراقة أصالتنا".
 
فوائد وميزات
وللكتابة باليد فوائد كثيرة يوضحها الباحث حسن حميد:"تعمل الكتابة اليدوية على تنشيط الدماغ لكوننا نستخدم أجزاء متعددة منه كتحريك مناطق التعلم والذاكرة، والتفكير واللغة، وتجعلنا نتذكر بشكل أسرع الحروف والكلمات مما لو كتبناها على أجهزة الحواسيب، وتساعد على زيادة الإبداع لدى الفرد، كما تعطي فرصة لمعالجة ما كتبناه وتطويره وإجراء تعديل مجدد عليه، ما يجعلنا دائما في تطور مستمر، وتعزز الأداء المعرفي وتشحذ العقل مع التقدم في العمر فهي تحمي من التدهور الإدراكي، وهي بالنسبة للكثيرين حل لمشكلات مختلفة، إذ يجدونها وسيلة لتجاوز الارتباك والخجل بالرسوم التوضيحية والخطوط والأشكال التعبيرية، ما يجعل القضايا أقل تعقيدا وتعطي تركيزاً أكبر، وتنظيماً للأفكار والمعارف".
وتابع"يشعر البعض بالارتياح حين يرى أفكاره وإبداعه متجسدين على الورق أمام عينيه، فتعمل الكتابة باليد على استرخاء الذهن والعقل وخاصة الكتابة الإبداعية، إذ تمنحنا لحظات من السعادة وتفريغاً للمشاعر في عالم يسوء يوماً بعد يوم، كما أن خاصية الحذف في الحاسبة تمحو الأفكار والآراء إلى الأبد التي من الممكن التراجع عن حذفها لاحقا بينما تبقى محتفظة بخواصها على الورق".
 
الكتابة التقليديَّة
ومع اجتياح وباء كورونا للعالم واعتماد التعليم الإلكتروني ازدادت الظاهرة، فبدأت الكتابة اليدوية بالانقراض من المنظومة التعليمية باستخدام الأجهزة اللوحية وتطبيقات كثيرة كالزوم.
الموظف الحكومي إسماعيل علي بين:"اعتدنا منذ طفولتنا على الكتابة بالورق والقلم في قاعات الدراسة وفي حياتنا اليومية، لكن اليوم التطور فرض علينا استخدام أدوات أخرى، وهي الحاسبة والطابعة لإنجاز المعاملات ومختلف الشؤون الخاصة بالمواطن".
تحمل الكتابة باليد الهوية المميزة للشخص، وبصمته الخاصة وفي الأجهزة الحديثة نفتقد تلك الميزات، إذ يؤكد التربوي عزيز سامي:"حملت الوثائق التاريخية عبر السنين بصمات أصحابها  التي فقدناها في زمن أصبحت به كل الخطوط متشابهة ومكررة". 
وهناك دول كثيرة ومنها استراليا اتخذت قرارا باعتماد نظام الكتابة تدريجيا على الشاشات اللوحية بدلا من خط اليد، إذ يرونه خطوة جيدة لتحسين المهارات والنشاطات التعليمية للطالب، وتوفير الوقت المستهلك واستغلاله لتأدية مهام أخرى.

آراء وتدوين


Banner