قرار فتح الدراسات العليا في الكليات الأهلية حاضرٌ في القانون غائبٌ عن العيون

الثلاثاء 22 كانون أول 2020 780

قرار فتح الدراسات العليا في الكليات الأهلية حاضرٌ في القانون غائبٌ عن العيون
علي غني

سافر عصام رغبة منه في اكمال دراسته العليا في الخارج، وبقيت اسرته في العراق، فعاش في بلد الغربة في قلق مزمن، مرة يتذكر الاسرة، وأخرى يتابع دروسه، وفجأة اصيب بمرض (الحنين للوطن)، فقطع دراسته، وعاد لوطنه يأكله الندم، وضاعت اسرته بين علاجه، وضائقة العيش، كل هذا من أجل اكمال دراسته العليا، وليكون منتجاً بهذا الوطن، فهل يمكننا أن نفتح نافذة جديدة للدراسات العليا، تخفف الزخم عن الكليات الرسمية، بعد أن أصبحت الكليات الاهلية أكثر عدداً من الحكومية، ومن سيملك الشجاعة لفتح هذا الباب الذي ينتظره الشباب العراقيون بفارغ الصبر.

قصص مشابهة
كم قصة مشابهة لقصة عصام، يعيشها طلبتنا في خارج العراق، ولدينا جامعات حكومية واهلية، وآلاف من الطلبة الذين يحلمون في اكمال دراساتهم العليا، لتطوير الواقع العلمي في بلدهم، فاذا كانت شروط القبول في الجامعات الحكومية صعبة، فلماذا لا نستحدث اقساماً للدراسات العليا في الجامعات الاهلية، وبشروط واقعية ومدروسة؟، ما الذي يمنع ذلك؟، وماذا تفعل الكليات الاهلية في هذه الظروف؟، وهل ينص قانون التعليم الاهلي على امكانية فتح دراسات عليا؟، وما سر التخوف من بعض الاكاديميين بشأن واقع الكليات الاهلية؟، وهل هناك توجه حقيقي لوضع ضوابط مدروسة بدقة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والخبراء الاكاديميين في العراق  تخدم الطلبة والجامعات الاهلية؟.
 
نواكب الحداثة
كنا نبحث عمن يجيبنا عن سؤالنا، الذي يتعلق بفكرة افتتاح اقسام للدراسات العليا في الكليات الاهلية في شتى التخصصات، فقادتنا المصادفة للدكتور قيس الكلابي المدير العام لتربية بغداد الكرخ الثانية المعروف باهتماماته المتنوعة، ليتصدى للاجابة بصراحته المعهودة: {لا شك أن اهتمام وزارة التعليم العالي برصانة الشهادة وقيمتها، جعلها تذهب باتجاه تسوير هذه الشهادة ضمن الاطار الحكومي حصراً، ولعقود عديدة، وانا (شخصياً) اؤيد هذه الفكرة طالما ان الهدف هو ترصين الشهادة العراقية في السابق، ولكن لا بد لنا ايضاً أن نتماشى مع المعطيات الحديثة في الدراسات والتطور التعليمي في مجال التعليم العالي بفتح جامعات أهلية جديدة بشتى التخصصات، وهذه خطوة بالاتجاه الصحيح، ولا بد أن تتبعها خطوة جريئة وبالوقت ذاته رصينة، وحذرة بالسماح بفتح أقسام للدراسات العليا في هذه الجامعات}.
وتابع الكلابي كلامه: {ان مفهوم رصانة الشهادة، لا يمكن تجزئته، فلا يعقل أن نعترض على رصانة شهادة الدكتوراه والماجستير، ونتسامح برصانة شهادة البكالوريوس وما دون ذلك، فالأصل في الموضوع هو أن الجامعة لا يمكن لها أن تحصل على الرخصة ما لم تحقق معايير مشددة وحكيمة ورصينة تحددها وزارة التعليم العالي، وبهذا فان الجامعة الاهلية لا يمكن أن تفتح ابوابها الا اذا كانت رصينة ومضمونة من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي}.
وبين الكلابي: {ان التعليم يجب أن يخضع لنوع من المرونة، ولا يكون جامداً، وتابعاً لقوانين شرعت في زمن يختلف عن الزمن الذي نحن فيه الان، وكل ما حولنا متغير، ويعدو باتجاه المستقبل في سباق مع الزمن، لاحتواء كل ما هو جديد وحديث في ميدان العلم والتعلم، وفتح فروع جديدة لشتى التخصصات التي كانت غير موجودة سابقا، وهذا ما صنعته الجامعات الاهلية والعالمية}.
 
أقل رصانة
ويمكن تسجيل ملاحظة دقيقة (والكلام للمدير العام لتربية بغداد الكرخ الثانية)، {بان الطالب العراقي يلجأ للحصول على قبول في الدراسات العليا لتحقيق طموحه واكمال دراسته العليا، ما يضطره احيانا للذهاب لجامعات أقل رصانة من الجامعات العراقية، لاسيما بعض جامعات دول الجوار، ويدفع مبالغ طائلة لهذه الجامعات، في حين ان الجامعات العراقية أولى بها، لأنها اكثر رصانة، فضلا عن أن الطالب سيحتاج الى تكاليف السفر والمعيشة في هذه البلدان، ما يساعد بتحريك اقتصاد هذه الدول}.
كما أن {لديّ ملاحظة اخرى، فمن الناحية الفنية والتقنية لا يوجد ما يمنع هذه الجامعات، اذا حققت المعايير التي تفرضها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهي معايير رصينة، أن يصار الى فتح أقسام للدراسات العليا في هذه الجامعات لتوافر الملاكات ذات الكفاية العلمية والخبرة من الاساتذة الذين احيلوا على التقاعد بحسب قانون التقاعد الاخير وهم بعمر مبكر، والكل يشهد للاستاذ العراقي بالعلمية والرصانة حتى اصبح عملة نادرة مطلوبة في الجامعات الاجنبية، وبالتالي هذا الموضوع قد يكون صعباً وليس مستحيلاً، فهو يحتاج الى تنسيق عالٍ بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات والكليات الاهلية لاستقطاب هذه الملاكات التي مازالت قادرة على العطاء وبرتب علمية رفيعة المستوى، وتجنيب ابنائنا عناء السفر والغربة والتكاليف الباهظة لتحقيق طموحهم في دول اخرى}.
 
تجربة واقعية
بينما بدا الاستاذ الدكتور طلال محمد علي الججاوي عميد كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة متفائلا بقوله: “قانون التعليم الاهلي رقم (25) لسنة 2016، سمح للجامعات والكليات الاهلية باستحداث دراسات عليا (ماجستير ودكتوراه) باختصاصات الكلية المعنية بعد توافر شروط الاستحداث والتي تتضمن وجود (5) برتبة استاذ واستاذ مساعد لاستحداث دراسة الماجستير، أما دراسة الدكتوراه فتتطلب (7)، منها (2) برتبة استاذ على الاقل والباقي برتبة استاذ مساعد}.
وأوضح لنا عميد كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة: {ان بعض الكليات الاهلية استحدثت دراسات عليا منها (معهد العلمين) في محافظة النجف، وتميز بالاقبال الواسع عليه، وقدمت كليتنا مشروعين لاستحداث دراسة الماجستير في المحاسبة ودراسة الماجستير في العلوم المالية والمصرفية، وبانتظار موافقة الوزارة}.
مضيفاً {ان تسألني عن الضوابط المعمول بها، فهي تماما  كالضوابط الحكومية، أما شروط القبول فتصدر سنويا من دائرة البحث والتطوير في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، محددة فيها جميع 
التفاصيل}.
 
تدخلات المستثمرين
الدكتور مهند الهلال نقيب الاكاديميين العراقيين (التي يبلغ عدد المنتمين لها اكثر من عشرة آلاف اكاديمي )، اثار افكاراً مهمة يمكن للجهات المختصة أن تستفيد منها،  اذ قال لنا: {نعم يمكن أن نفتح برامج للدراسات العليا في الكليات والجامعات الاهلية،  لو اصدرت تعليمات يفترض أن تصدر منذ تعديل قانون التعليم الجامعي الاهلي رقم (25)  لسنة 2016، الذي اشار بوضوح  على الوزير المختص اصدار تعليمات تسهل تنفيذ هذا القانون، ولغاية الان لم تصدر تلك التعليمات لوجود تدخلات المستثمر(ذي الطابع السياسي)}.
وأقول لك بصراحة: {ان وزارة التعليم العالي عانت من ضغوطات سياسية، لارغامها على عدم اصدار هذه التعليمات التي هي بالمجمل تحد من حركة المستثمر التي أوصلت التعليم الجامعي الاهلي الى ما هو عليه الان من مؤشرات سلبية وخطيرة تهدد بالاطاحة بمجمل العملية التعليمية، اذا ما استمر الحال على ما هو عليه 
الان}.
وكشف لنا الهلال، {أن هناك اكثر من مشروع لتعديل قانون التعليم الجامعي الاهلي، احدها مقدم من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهو الان موجود في مجلس الدولة، وهناك مشروع مقدم من قبل لجنة التعليم العالي النيابية،  لو احسنا هذا التعديل، وتوفرت النوايا الحسنة وابعدنا المصالح الضيقة، وهذا لا يعني عدم اتاحة الفرص للاستثمار في التعليم، بل ايجاد للضوابط التي تؤمن رصانة وجودة مؤسساتنا الاكاديمية، لنخرج بتعليم جامعي أهلي يضع في الحسبان مصلحة الوطن ومستقبل الاجيال، عند ذلك سنتخلص من كل التبعات غير المرغوب فيها، لا سيما قانون اسس تعادل الشهادات الذي اقره البرلمان مؤخراً، والذي اشرت عليه العديد من الملاحظات السلبية في الشارع الاكاديمي 
والجامعي}.
 
شروط النجاح
حتى نحقق شروط النجاح لفتح برامج للدراسات العليا في الكليات الاهلية، علينا العمل الجاد، لايجاد ضوابط حقيقية تحد من التدخلات السلبية من خارج المؤسسة الاكاديمية (الجامعة والكلية)، وتؤمن الاستثمار المجدي في التعليم الذي يعد ركيزة اساسية لتطوير العلم في بلادنا، كما هو الحال في دول العالم 
المتقدمة.