{الخسفة} حفرة الرعب.. مقبرة جماعية من رحم الطبيعة

الخميس 24 كانون أول 2020 339

{الخسفة} حفرة الرعب..  مقبرة جماعية من رحم الطبيعة
   الموصل: شروق ماهر
 
  (الخسفة) سيئة الصيت، والتي هي عبارة عن منخفض طبيعي كبير، تقع على بعد ثمانية كيلومترات جنوب الموصل، وتعد إحدى أكبر المقابر الجماعية في العراق، وقد استخدمتها عصابات داعش الارهابية لتنفيذ الاعدامات لها خلال احتلالها مدينة الموصل مركز محافظة نينوى في العاشر من حزيران 2014.
ويطلق سكان مدينة الموصل اغلبهم على هذه الحفرة المميتة بحفرة الرعب، وتقع في قرية تدعى (العذبة) والتي تتبع ناحية الشورة الواقعة على بعد 60 كم جنوب الموصل. 
 
نيزك
ومقبرة الخسفة هي عبارة عن فجوة كبيرة في الأرض في عمق الصحراء جنوب مدينة الموصل، تتكدس فيها جثث لضحايا داعش، قضيت عليهم العصابات الارهابية، وبحسب التحقيقات وشهادات الارهابيين فان عدد الاحياء الذين تم رميهم فيها يصل الى اكثر من (5) آلاف مواطن  تم اعدامهم داخل الخسفة. ويطلق أغلب السكان في مدينة الموصل هذا الموقع بـ"الخسفة"، وهو منخفض كبير ناجم عن ظاهرة طبيعية، يعتقد أنها تكونت من خلال سقوط نيزك في المكان.
الغريب في الامر ان بعد شهر من استعادة السيطرة على المنطقة التي تقع فيها (الخسفة) من قبضة الارهابيبن، تبين أن عمق مقبرة الخسفة لا يتجاوز بضعة أمتار وتم العثور على  هياكل لآليات عسكرية ألقيت هناك.
 
مصادر أمنية تتحدث لـ"الصباح" 
ويروي لنا أحد ضباط قيادة شرطة نينوى المقدم ليث عمر والذي تمكنت عصابات داعش من رمي اثنين من اشقائه الضباط بالشرطة الاتحادية داخل حفرة (الخسفة) "هذه المقبرة الجماعية، هي رمز لإجرام داعش وسلوكها المنحط وهي جريمة هائلة، وضعت فيه ألغاما أرضية في مقبرة جماعية وهي محاولة واضحة من داعش، لإلحاق أكبر ضرر ممكن بالعراقيين، وتحديدا الضباط والمنتسبين في جميع اصنافهم".
 
أسهل طرق الإعدام
ويستذكر عمر رمي شقيقيه الضابطين  والذي طلبنا منه الحديث ليروي لنا ماذا فعل التكفيريون، مع مجموعة من الضباط الذين اختطفتهم داعش اثناء سقوط الموصل والسيطرة على مقرات الاجهزة الأمنية والعسكرية بوقت سريع جدا قائلا إن "عصابات داعش كانت لديها معلومات كافية عن مقبرة "الخسفة" فقد كانت هذه العصابات المسلحة قبل احداث العاشر من حزيران ترمي الضباط والمنتسبين المختطفين بين الحين والآخر بهذه الحفرة المرعبة، وحتى المدنيين والأطفال والنساء منهم ايضا، كانت هذه العصابات المسلحة تقوم برميهم هناك، وتعلن بعدها بساعات عن اختطافهم ورميهم بهذه الحفرة المرعبة".
ويضيف عمر ان "عصابات داعش الارهابية كانت تنقل وجبات كبيرة في عجلاتها المسروقة الضباط والمنتسبين بين الحين والآخر (لرميهم) في مقبرة الخسفة، حتى اعلنت أنها أسهل طريقة للإعدام الجماعي، بعيدا عن عيون السكان في الموصل، وقد التهمت هذه الحفرة الآلاف من المنتسبين والمواطنين المنكوبين ".
 
ألفا عملية
ويروي لفيف من سكان قرية العذبة، التي تقع فيها هذه حفرة الخسفة "ان عصابات داعش كانت تنفذ بين الساعة والاخرى عمليات اعدام جماعي داخل هذه الحفرة المظلمة والمرعبة، التي تلتهم البشر، وحتى العجلات ايضا، اذ شهد سكان قرية العذبة على وجه الخصوص وسكان ناحية الشورى على وجه العموم اكثر من ألفي عملية اعدام جماعي، موزعة بين مدنيين ومختارين وعمال وموظفين وعسكريين وضباط وكذلك مرشحو مجلس نواب، وقد جرى اعدامهم من قبل عصابات داعش هنا داخل هذه الخسفة، التي تركت في نفوس سكان العذبة جرحا كبيرا وحدثا لا يمكن نسيانه مطلقا".
ويقول سكان هذه القرية القريبة من تلك الحفرة، "إن المياه تمر عبر قاع الحفرة، مما يُصعّب استخراج الرفات البشرية منها، حتى ان منظمات كثيرة حاولت الوصول الى تلك الحفرة، اضافة الى القوات العراقية والاجنبية ايضا وفرق أممية ودولية، لكنها لم تتمكن جميعها استخراج الجثث من هذه الحفرة مطلقا".
 
نصب تذكاري
من جهتهم طالبوا سكان هذه القرية القريبة من الخسفة السلطات الدولية منها والحكومة الاتحادية، بتحويل هذا الموقع المخيف والمحزن إلى نصب تذكاري، ودعم أسر الضحايا التي ما زالت لم تتسلم جثث ضحاياها من هذا الموقع المؤلم، والذي ترك جرحا كبيرا في قلوب ضحاياها، ومافعلته عصابات داعش الارهابية بحقها.
ويضف مختار قرية العذبة احمد الجبوري بأنه "يرى اهالي  الضحايا الذين سقطوا في هذه الحفرة المرعبة، على يد عصابات داعش الارهابية، يزورون ويقصدون في زيارة شبه اسبوعية هذه الحفرة على بعد أمتار كبيرة، وهم يترحمون ويقرؤون سورة الفاتحة على ارواح ضحاياهم، التي لم تتمكن الحكومة انتشالهم من الحفرة".
ويضيف أحد وجهاء ناحية الشورة الشيخ باسم توفيق الجحيشي ان " الموقع هو واحد من عشرات مقابر داعش الجماعية التي عُثر عليه في العراق وتحديدا محافظة نينوى، ولكن يمكن أن يكون الأكبر المكتشف حتى الآن، وفقا للتقارير الدولية، في حين هناك احصائيات مثبتة لدى الحكومة المحلية في نينوى والاتحادية بأن هناك اكثر من (خمسة آلاف) ضحية قد اعدمتهم داعش داخل هذه القرية ابان سيطرتها على مدينة الموصل مركز محافظة نينوى".
 
إعادة السيطرة
وسيطرت القوات العراقية على موقع حفرة (الخسفة) في الـسابع من منتصف شهر آذار، لكنها لم تتفقد الحفرة عن قرب، بسبب الألغام الأرضية والعبوات الناسفة، التي تركتها عصابات داعش، حيث تم في حينها قتل بعض الصحفيين والمنتسبين من القوات المحررة جراء تقدمهم على هذه الحفرة اثناء التحرير، مما تمّ تفجير العبوات عليهم على بعد امتار من هذه الحفرة المرعبة.
 
المقبرة الوحيدة
يحدثنا محافظ نينوى نجم الجبوري قائلا: "ان المنظمات الدولية التي زارت جنوب الموصل فتحت مجموعة مقابر الا مقبرة الخسفة، فقد اعتذرت عن فتحها".
ويضيف الجبوري "إن الخسفة تضم رفات آلاف من مواطني نينوى بينهم مدنيون ومنتسبون للجيش والشرطة، وفتحها خارج إمكانيات الحكومة المحلية، وأن الأمر يتطلب جهداً وإمكانيات دولية لا تتوافر في العراق حالياً".
وأكد الجبوري بانه "تمت مفاتحة منظمات إنسانية دولية عديدة للقيام بهذه المهمة، لكنها رفضت من دون أن تورد الأسباب، مكتفياً بالقول أن ذلك "يفوق إمكانياتها أيضاً".
 
اجراءات خجولة
من جانبها قالت عضو مجلس النواب العراقي عن نينوى بسمة بسيم، "إن رئيس مجلس النواب يعمل على مقابلة ممثلين عن أسر المغيبين ومنهم مغيبو الخسفة، الأمر الذي عده الأهالي "إجراءات خجولة" ولا تتوافق مع حجم الكارثة الكبيرة التي لحقت بهم، لاسيما أن ذلك يحدث بعد نحو ثلاثة اعوام من تحرير نينوى من سيطرة داعش، وما وصفوه بـ"التقاعس الحكومي غير المفهوم" عن فتح مقبرة الخسفة الجماعية"، بينما اكد لنا أحمد العبد ربه مسؤول شؤون المواطنين في محافظة نينوى عن استلام اكثر من ألف طلبٍ من ذوي المفقودين أثناء سيطرة داعش على الموصل، وأن لجنته تلقت من لجنة حقوق الأنسان النيابية والأمانة العامة لمجلس الوزراء طلباً بتوحيد أسماء المفقودين كافة، لغرض البحث والتحري عنهم، وأن قوائم بذلك تعد في الوقت الراهن، اما الموقف الحكومي هذا وعدم وجود خطة لفتح الخسفة له تداعياته العميقة على الآلاف من ذوي المفقودين، الذين يتعين عليهم إثبات حالة الوفاة للحصول على امتيازات الدولة للشهداء، والحصول على شهادة الوفاة، لتسيير المعاملات الرسمية في الدوائر الحكومية المتعلقة بالأحوال الشخصية من إرث وغيرها، وكل ذلك يستلزم بطبيعة الحال وجود جثة قانوناً للحصول على شهادة وفاة".
 
وعود
 ويؤكد لنا النائب عن محافظة نينوى بالبرلمان العراقي شيروان الدوبرداني "إن 200 معاملة شهيد فقط قد انجزت في نينوى من بين معاملات آلاف الضحايا، والسبب هو البيروقراطية الكبيرة في الدوائر الحكومية (على حد تعبيره) والقانون العراقي الذي يستلزم وجود جثة لمنح شهادة الوفاة، ووعد الدوبرداني بالعمل على تشكيل لجنة برلمانية للتعاون مع حكومة نينوى المحلية في سبيل فتح الخسفة، وإخراج الجثث منها، ومساعدة أهالي الضحايا الذين بلغ عددهم اكثر من أربعة آلاف شخص، والتي أعلنت داعش عن قتلهم وعلقت أسماءهم في الطب العدلي في زمن سلطتها على الموصل".
 
تظاهرات
 ويحتشد الشعب الموصلي شبه شهريا في منطقة المجموعة الثقافية، في تظاهرات سلمية لأسر المغدورين في مقبرة الخسفة، للمطالبة بجثث أبنائهم، والعمل على فتح الخسفة التي يرجح أنهم دفنوا فيها، وبشيء من اليأس، تقول الحاجة لطفية البياتي، التي فقدت اثنين من أبنائها المنتسبين في الخسفة، "إن التجاهل الحكومي لذوي الضحايا ليس العقبة الوحيدة أمامهم. إذ أن الأمر لا يتوقف عند مجرد فتح المقبرة". وبينت البياتي أن "هنالك آلاف الجثث التي بعضها فوق بعض ولاشك بأنها قد تحللت، وهذا الامر يحتاج إلى ميزانية كبيرة وجهات دولية متخصصة، قد يستغرق عملها سنوات". مطالبين الحكومة العراقية ببذل مساعيها لفتح هذه الحفرة المرعبة.

آراء وتدوين


Banner