بياع الملح وابو العودة

الأحد 27 كانون أول 2020 379

بياع الملح وابو العودة
حمزة الحلفي 
 
المشاهدات اليومية التي كانت حاضرة في مناطقنا الشعبية تعتبر جزءا مهما ومكملا لديمومة واستمرارية الحياة في الشارع العراقي، ومن دونها نجد فراغا واضحا من شأنه أن يربك المشهد العام الذي تعودنا على معايشته من خلال الرجال والنساء ابطال هذا المشهد من باعة جوالين واصحاب عربات وبسطات وغيرها من المهن المحلية التي كانت اشبه بخدمة (الدلفري) الشائع في ايامنا هذه، واغلب هذه المهن انقرض واختفى من المحلات الشعبية الى الابد، وما تبقى الآن وظل محافظا على تواجده، لكنه بزي عصري يفقدنا عند رؤيته المتعة التي تلازمت مع ارواحنا بشذى ذكراه الوجداني .
واتناول بعضاً من هذه المنقرضات بحدود مساحة الصفحة وسوف اتواصل في الأعداد المقبلة على نشر ما تيسر من تلك المهن الجميلة: بياع الملح
لا ادري من اين يأتي هذا البدوي المتلفع بعباءته الصوفية رغم قيظ الصيف اللاهب، وذقنه الصغير الذي لايتعدى منطقة الحنك من اسفل الوجه يدور في (دربونتنا) يجر (بعيره) المحمل بخرجين من الملح الفضي الخشن مدللا على بضاعته بصوت خافت ومتعب من جراء السير المتواصل في الأزقة: (ملح اصلي .. ملح صافي) بعدها تشاهد نسوة الحي يتجمعن حول البعير وصاحبه، تقدم كل واحدة منهن ( طاستها) ليغرفها حد الامتلاء بالملح مقابل ( عشرة او خمسة فلوس) وعند انصرافهن يأتي دورنا نحن الصغار بممارسة طقسنا الغذائي الوهمي، فنتعقب اثر خفّ البعير (قدمه) راكعين عليه وواضعين اليد اليسرى فوق اليد اليمنى بشكل مبسوط متباعد الأصابع، فنضع اصبع البنصر على اثر قدم البعير الذي خلّفه، ثم نبدأ بمص الخنصر من اليد اليمنى الموصولة بالأرض لاعتقادنا اننا نشرب من حليب الناقة التي وبمحض ايماننا المكتسب انها تترك حليبها عند آثار سيرها .
ورغم اننا كنا ندرك سذاجة هذا المعتقد وعدمه الا ان ادعاءنا بالشبع من الحليب كان يلازمه بعدها مسح الشفتين من بقايا حليب الأماني المفقودة، تفاخرا وفوزا بالغنيمة المجانية، حتى اني في احدى قصائدي تناولت هذا الشيء في مقطع اقول فيه: تذكرون الجمل لمن يجي لبغداد.. وبياع الملح راعيه اللي يتبعه.. نشرب من اثر جدمه الطبع عالكاع.. نمد جفوفنهوبهامنه نرضعه.. احنه اول بشر نشرب ثداياجفوف.. صح نشرب جذب بس نشعر بمتعة.