شارع المكتبات في الحلة... ثقافة المكان

الخميس 31 كانون أول 2020 245

شارع المكتبات في الحلة... ثقافة المكان
 صلاح السعيد
إذا كانت ثمة ثقافة للمكان، فإن شارع المكتبات في الحلة يمثل تلك الثقافة، هذا الشارع الذي يبلغ طوله 400 متر تقريباً ويبدأ شمالا من ساحة الاحتفالات (القشلة) التي هدمت بقرار غبي، لينتهي بجسر الهنود، كما يسمى. والذي كان مكانه أقدم مدرسه ابتدائيَّة (المدرسة الشرقية) التي هدمت هي الأخرى.
مركز المدينة النابض
هذا الشارع يمثل مركز المدينة النابض المزدحم دوماً, وله قيمة تجاريَّة لا يستهان بها، فضلاً عن قيمته التاريخيَّة, فهو يشكل جزءاً من تاريخ المدينة, ولعل وجود عددٍ كبيرٍ من المكتبات فيه ولهذا سمي بـ(شارع المكتبات) ولن نجد شارعاً آخر في العراق يماثله إلا في بغداد (شارع المتنبي) وفي الموصل (شارع النجفي).لم تكن هناك مكتبات بالمعنى المتعارف عليه في أواخر العهد العثماني وسنوات الاحتلال البريطاني الأولى، ولم تكن هناك مدارس, بل كانت هناك الكتاتيب هي السائدة وبعددٍ محدودٍ وعدد المتعلمين كان ضئيلاً لا يشجع على إنشاء مكتبة. وفي بداية تشكيل الحكم الوطني وتأسيس الدولة العراقية, بدأ فتح المدارس وبالتالي كانت هناك حاجة لفتح مكتبات تلبي حاجة الطلاب للكتب المدرسية والمستلزمات الدراسية ومن هنا كانت البداية.
 
المكتبة العصرية
كانت الفكرة قد بدأت من المرحوم محمود حلمي صاحب المكتبة العصرية في شارع المتنبي في بغداد وقد طرحها على صديقه المقرب المرحوم عباس السعيد الذي كان عطاراً في الأصل وأقنعه بفتح مكتبة في الحلة يتولى محمود حلمي تجهيزها. كان ذلك في العام 1925, وهكذا أنشئت مكتبة الفرات في هذا الشارع وفي المكان نفسه الى يومنا هذا.
 لقد جاء في دليل بلاد الشرق المطبوع في دمشق عام 1945 أول إشاره الى هذه المكتبة وفي صفحه (501) ذكرت مدينة الحلة واسم المكتبة وتاريخ تأسيسها. ثم توالى تأسيس المكتبات في هذا الشارع فتأسست المكتبة العصرية عام 1927 لصاحبها علي الحاج حسين السباك ثم آلت الى أخيه صاحب الحاج حسين بعد أنْ حولها الى مطبعة، وبدَّلَ اسمها الى المطبعة العصرية ثم مكتبة المعارف عام 1940، لصاحبها عبد الحسين علوش ومكتبة الرشاد لعبد الجليل الناصر عام1947 ومكتبة الرافدين للسيد هادي السيد عباس عام 1953 ومكتبة الجمهورية عام 1958، وهناك مكتبات أخرى لم تعمر طويلاً مثل مكتبة الشباب القومي ومكتبة الإرشاد وغيرها ولم يبق من المكتبات في هذا الشارع سوى مكتبة الفرات التي مضى على تأسيسها خمسة وسبعون عاماً.
ومن منبر «الصباح» أدعو المعنيين في وزارة الثقافة الى عدها مكاناً تراثياً مشمولاً بالحماية، أسوة بمكتبات شارع المتنبي في بغداد.
 
جواد الأخرس
في الخمسينيات والستينات كان صبي مكتبة الفرات موزع الصحف جواد الأخرس يبيع ألف صحيفة يومياً لوحده وهنا يتملكنا العجب حيث إنَّ عدد سكان المدينة لا يتناسب مع عددها في الوقت الحاضر بالمقارنة مع مبيعات الصحف الآن. لقد كان الكل يقرأ, المعلم والمدرس والقاضي والموظف وطلاب المدارس وأصحاب الدكاكين في الأسواق الذين يقرؤون ويكتبون فقط فقد كانوا حريصين على قراءة الجريدة والمجلة ومتابعة آخر الأخبار, كانت ثقافتهم مستمدة من القراءة اليوميَّة للصحف, فضلاً عن أنَّ المكتبات كانت ملتقى العديد من الشخصيات الثقافية والرسميَّة, وأذكر - كما حدثني والدي - أنَّ المكتبة لم تكن عملاً تجارياً فحسب، بل إنها كانت أقرب الى المنتدى الثقافي ولو بشكل مصغر، وذكر لي أنَّ من الرواد الأوائل كان عبد الكريم قاسم قائد ثورة 1958 والذي كان يعمل في المسيب ويأتي الى الحلة كل مساء خميس مع فاضل المهداوي لينتقي ما يقرأه من الصحف والكتب والمجلات، وكذلك محمد رفيق عارف، والعلامة الدكتور أحمد سوسة الذي كان صديقاً شخصياً للمرحوم عباس السعيد، وايضاً الدكتور باقر سماكة وعلي جواد الطاهر وصبري القباني الطبيب السوري الذي عمل لفترة في الحلة، والأستاذ المربي قاسم خليل والقانوني فريد فتيان وغيرهم الكثير مما لا تسعفني الذاكرة لذكرهم من الضباط ومتصرفي اللواء وحكام المحاكم ورؤساء الدوائر وغيرهم الذين كانوا حريصين على اقتناء الكتب.
لقد كانت المكتبات مركزاً لتوزيع الصحف اليوميَّة والدوريات والمجلات العراقية والعربية, وكان عدد مشتركي الصحف كبيراً جداً ونسبة بيع المطبوعات عالية جداً ولا تقارن بما هي عليه الآن. كان الطلب متزايداً على الكتب السياسية بعد ثورة 58 وخصوصاً اليسارية منها، فضلاً عن الكتب الأدبيَّة مثل الروايات العالمية المترجمة وكتب الشعر والنقد والقصص القصيرة وغيرها من ألوان الأدب، أما المجلات فأذكر منها المجلات المصرية مثل (آخر ساعة والمصور والكواكب والجيل والاثنين وصحف الأهرام والجمهورية)، وكذلك المجلات اللبنانية وخاصة الفنية منها، أما الصحف العراقية في الخمسينيات فأذكر منها (البلاد والأخبار والزمان والرأي العام)، ومجلات قرندل والأسبوع والساعة).وفي الستينيات كانت الصحف: (اتحاد الشعب, الحضارة, الثبات, الإنسانيه, البلاد, الأهالي, الحرية, الرأي العام وغيرها الكثير)، كما كانت مجلات (الهلال وكتاب الهلال وروايات الهلال والآداب والأديب والمختار وكتابي ومطبوعات كتابي) تشكل طلباً متزايداً من القراء الذين يتلهفون لاقتنائها، وبعدها جاءت مجلة العربي التي كانت مبيعاتها تفوق التصور وتنفد بعد وصولها بفترة وجيزة.
 
النبض السياسي والاجتماعي
كان الشارع علاوة على وجود المكتبات فيه يشكل النبض السياسي والاجتماعي للأحداث التي تقع في العراق, فمنه تنطلق التظاهرات المؤيدة والمعارضة للسلطة, ولن أنسى يوماً حشود التظاهرات التي انطلقت بعفوية بعد ثورة الرابع عشر من تموز, كما لن أنسى مواكب تشييع الشخصيات البارزة ورؤساء العشائر مع هوسات العشائر وإطلاق النار من الأسلحة, وكان أيضاً مساراً بهيجاً لاستعراضات الختان مع الفرق الموسيقيَّة والأطفال في أرديتهم البيضاء ونثر الحلوى من النساء المرافقات لهذا الموكب، كما كان الشارع يشكل المسار الرئيس لمواكب العزاء الحسيني أيام عاشوراء وصولاً الى حسينيَّة ابن طاووس التي هدمت هي الأخرى (لاحظ أنَّ الهدم كان هو السائد لكل ما هو جميل بحجة التقدم والبناء والتحضر فيا لها من حضارة هادمة).الكازينوهات والمقاهي كانت هي الأخرى معلماً مهماً في هذا الشارع, كان لكل شيء يحدث في هذا الشارع وقع السحر وبصمته لا تزول من الذاكرة خصوصاً نحن الجيل الذي ولد في نهاية الأربعينيات، أما في أيام شهر رمضان فقد كان الشارع يسهر كله حتى صلاة الفجر وأنوار الشارع تسطع والمقاهي تزدحم بروادها، يا لتلك الأيام من بهجة.
 
المقاهي الشعبية
هذا الشارع الممتد من ساحة سعيد الأمين حيث نجد المقاهي الشعبيَّة المتميزة منها مثل مقهى سومر الذي كان ملتقى الشباب الذين يلعبون البليارد ومقهى حساني على الجانب الآخر ومقهى أبو سراج ومقهى سيد شاكر الذي كان يقع في الساحة أمام القشلة، وكانت هناك شوارع صغيرة تتفرع من الشارع باتجاه نهر الحلة ثم فرع شارع المطاعم مثل مطعم الفرات ومطعم الشمس ومطاعم أخرى لا أذكرها ثم يليه فرع آخر تتركز فيه محال بيع المشروبات الروحيَّة. كان الشارع ببناياته المشابهة لطراز بنايات شارع الرشيد في بغداد بأعمدته, كان يشكل معلماً مهماً من معالم الحلة التي أزيلت بقرار طائش حولتها الى ساحات للأزبال والنفايات.
كان هذا الشارع ملتقى لكل أبناء الحلة ومكاناً أثيراً لا بُدَّ للجميع أنْ يمارس فيه التسكع والمشي والتطلع والتبضع، كان كل شيء متوفراً فيه، ومن يزور الحلة لا بُدَّ له من زيارة هذا الشارع والتمتع بمعالمه ليترك انطباعاً لا يزول بسهولة من الذاكرة.
إنَّ لكل مدينة أثراً مميزاً، وشارع المكتبات في الحلة الأثر المميز لكنه فقد هذا الأثر للأسف.. ومن معالم هذا الشارع المهمة كانت سينما الفرات التي تقع مقابل متوسطة الحلة للبنين التي يفصلها شارع فرعي فيه علوة الأسماك.. وبمناسبة ذكر متوسطة الحلة التي كانت محاطة بالشوارع ويتسرب ضجيج المارة والسيارات الى صفوف الدرس كان مدرس العربية الفلسطيني أبو جورج قد تهكم ببيت الشعر هذا على وضع المدرسة: (مدرسة في شارع وشارع في مدرسة).
ونعود الى السينما فقد كان هناك طريق يؤدي الى منطقة الحشاشة (نسبة الى بيع حشيش الدواب فيها قديماً) وفيها حمام معروف باسم (حمام الحشاشة) ومنه تتفرع أسواق صغيرة لبيع الطيور مثل الحمام وعصافير الزينة والبلابل وغيرها، كذلك يؤدي هذا الشارع الى سوق الهرج الذي يتميز بوجود محال بيع الأثاث والمفروشات, كل ذلك يمثل تنوعاً رائعاً ونسيجاً متفرداً في مركز المدينة. والى جوار المكتبة كان هناك مقهى كبير ذو ساحو واسعو مكشوفو صفت فيه أرائك خشبية متينة تعبق منها روائح دخان الناركيلة. هذ المقهى كان مكاناً مفضلاً لرؤساء العشائر والوجهاء, كان اسمه (مقهى شيخ سعيد) على اسم صاحبه والى جواره يقع محل تسجيلات مهدي الوادي الذي تبث ليل نهار تسجيلات المطربين الريفيين وأغاني الغجر وأغاني سعدي والمنكوب وغيرهم, وقد اصطفت فيه أجهزة التسجيل القديمة ذات البكرات الكبيرة. أما الفرع المجاور لمكتبة المعارف فكان سوقاً مسقفاً يؤدي الى الجسر القديم وفيه محال تصليح الساعات ومقهى سيد غني العطار ومحال بيع التبغ ومحل المرحوم لفتة المردان الذي كان أشبه بمعمل صغير لصنع الأحذية.
 
مضايقات رجال الأمن
ونعود الى توزيع المطبوعات, فقد كانت الصحف تصل الى المدينة يومياً قبل الصباح الباكر وكان متعهد الصحف الوحيد في العراق عواد الشيخ علي الذي يوصل الصحف الى جميع أنحاء العراق وبإمكانيات بسيطة. أما وكالة فرج الله للمطبوعات فقد أخذت على عاتقها توزيع المجلات والمطبوعات الأخرى العربية والأجنبيَّة وفي كل يوم تجد رزم الصحف والمطبوعات ملقاة على رصيف المكتبة صباحاً قبل أنْ تفتح. كان مصدر الكتب مكتبة المثنى ومكتبة النهضة في بغداد وقبلها كانت العصريَّة.لم يكن العمل بالمطبوعات سهلاً، ولا يخلو من المخاطر, فكانت السلطة  تراقب المكتبات والمعروض من الكتب بشكل دائم, وكثيراً ما كانت المكتبات تتعرض لمداهمات رجال الأمن ومصادرة المطبوعات وإتلافها، فضلاً عن التعهدات الأمنيَّة بعدم توزيع مطبوعات وصحف معينة، كانت المكتبات عموماً تتعرض للمضايقات من رجال الأمن والتهديد ايضاً باعتقال أصحابها, وأذكر مرة أنَّ أحد ضباط الأمن دخل الى المكتبة وقام بتفتيش وتقليب الكتب ولما لم يجد ضالته لفتت نظره وجود مجلدات تفسير الجلالين للإمام السيوطي وهو تفسير مشهور فقام بمصادرة كل المجلدات التي كان ثمنها كبيراً ويعادل راتبه ولم يعترض أحد على ما قام به، وأظن أنه كان بحاجة لبعض المال لبيع هذه المجلدات في مكانٍ
 آخر.كما أتذكر أنه بعد انقلاب 8 شباط عام 63 أتلفنا كميات هائلة من الكتب اليساريَّة والماركسيَّة والتهمتها نيران التنور في بيتنا خشية
 المداهمات.