مظفر النواب

السبت 16 كانون ثاني 2021 117

مظفر النواب
حسن العاني 
مع مستهل العقد الستيني من القرن الماضي، وأنا طالب اعدادية، بدأت أتلمس طريقي الأول نحو عالم القراءة والادب والثقافة، وكنت قد سئمت من القصائد الكلاسيكية، واشبعت نهمي من عذوبة الارتخاء بين موسيقى جبران خليل جبران ورومانسيات (أبو شبكة) ودغدغات عبد القدوس العاطفية، ووجدت نفسي امام هوى جديد يقوده طه حسين والحكيم ونجيب محفوظ وشتاينبك وهمنغواي ومصطفى جواد وطه باقر والتراث، ومن بين هذا الحشد الذي ابهرني، كنت امتعض من (حوارات محفوظ) المكتوبة بالعامية، لان (الفصحى) بالنسبة لي يومها كائن مقدس أملته طبيعة المرحلة وطبيعة قراءاتي، ولهذا لم اكن امقت الشعر الشعبي فقط، وانما احاربه بيدي ولساني وقلبي، واتهم من يتعاطاه ويتعاطى العامية بالخيانة العظمى! ومضت بضع سنوات اتسعت معها دائرة معارفي، حيث اطل السياب والعيسى وعبد الصبور وماركس وسارتر وفرويد من بين من اطلوا، وفوجئت ذات يوم في غفلة مني ومن الزمن، اقف ضد قناعاتي القديمة وان الفتوى التي أصدرتها بحق العامية، والقاضية بهدر دمها، قد ذبلت وتراجعت وتغيرت، الى الحد الذي أعلنت فيه ندمي وتوبتي، لأن شاعراً يدعى مظفر النواب، استطاع بما اتاه الله من موهبة نادرة وقوة شعرية ان يهز عرش الفصحى، ويقتحم بلاط الشعراء ويجالس امراءه من المتنبي الى الجواهري وزوادة سفره مفردات عامية صاغها شعراً شعبياً ارتقى به الى مصاف الكبار، وفقدت توازني واصابني هوس اسمه (النواب)!.
هو الذي جعلني اتابع سيرته الذاتية، وما يروى من حكايات بطولية عن الهور وسجن الحلة، فازداد تعلقاً، واحفظ عن ظهر قلب، واحتفظ في ارشيفي بكل بيت شعري وشاردة من قصائده، حتى أصبحت راوية من رواته!
جنون لازمني غير قليل من السنوات، قبل ان ابرأ منه، حتى لم يبق من الشعر الشعبي في ذاكرتي سوى الحب القديم، الا أن ذلك الجنون ما كان يمر بسلام او من دون عقاب، وكان عليّ أن ادفع الضريبة راضياً صابراً صاغراً جزاء وفاقاً على تنكري للعروبة و(العربية)! وها هي الاحداث تعود بي او أعود بها الى نهايات العقد الستيني طالباً في الجامعة المستنصرية – قسم اللغة العربية، وكان النواب، امير القصيدة الشعبية، بلا منازع ما زال يستعبدني حتى ذلك التاريخ، وكان الدرس درس (نقد ادبي) والمحاضر هو الدكتور (محسن غياض) – رحمه الله حياً او ميتاً – الغاضب من شيء ولا شيء 25 ساعة في اليوم، ولكن الرجل من اكثر اساتذتنا الافاضل تعصباً للضاد، ومن أشدهم خصومة للعامية، وأنا أعرف ذلك، ولكن النواب أنساني هذه الحقيقة، ففي محاضرة غياض بالذات كنت أحاول حفظ قصيدة (جنح غنيدة) التي نشرتها مجلة (الف باء) ذلك اليوم على صفحتين ملونتين، وحين فطن الدكتور الى جريمتي التي لاتغتفر لعن النواب والمجلة باللغة العربية الفصحى، وطردني من المحاضرة باللهجة العامية!