رحيم المالكي.. شهيد الحرف الشعبي المضمَّخ بعشق الوطن

الأحد 17 كانون ثاني 2021 126

رحيم المالكي..  شهيد الحرف الشعبي المضمَّخ بعشق الوطن

  عادل العرداوي

 
 
من الصعوبة بمكان أن أستذكر شاعراً شعبياً كبيراً ولامعاً وساحراً بقامة وحجم الشهيد رحيم المالكي، الذي خسره الوطن والشعر والمفردة الشعبية التي حلق في فضائها، طائرا متميزا وصوتا مغردا وهادرا في آن واحد.كنت مراقباً ومتابعاً بدقة لبزوغ نجمه في أفق الابداع الشعبي مطلع التسعينيات، يومها بادر هو والشاعر فالح حسون الدراجي، وثلة خيرة من الشعراء الشباب لتأسيس اول منتدى شبابي للشعر الشعبي في مدينة الثورة/ الصدر، احتضن عشرات الطاقات الشعرية الواعدة، منحهم الاجواء والفرصة المنشودة للظهور امام الجمهور المتعطش للمفردة الشعبية الترفة، ورحيم طاهر المالكي، قطب الرحى لذلك المنتدى الذي أثمر أسماء شعرية حفرت لها موقعاً مرموقاً في حراك القصيدة الشعبية الحديثة، وهذا منجز يسجل للمرحوم المالكي ما زلنا نتذكره بعين التقدير.
رحيم المالكي المسكون بالشعر وهاجس التميز وتحقيق سبق التفرد والابداع، في زمن قاهر تمثل بالعقوبات الدولية - الحصار الاقتصادي المرير، الذي طحن عظام وآمال وصبوات الناس الفقراء، يأتي المالكي ليتكلم باسم هؤلاء المسحوقين عبر سلسلة من القصائد المعبرة والناطقة عن واقع الحال المزري.. وهكذا ولدت قصائد المالكي الخالدة التي حفظها الناس ورددوها لانها تجسد معاناتهم: «يا فرات» التي يخاطب فيها نهر الفرات وحرمان الامام الحسين (ع) وصحبه منه.. قصيدة عتاب بين محب ونهر: «اشلون تجري ومايك ازرگ يافرات..؟» وقصيدة «شهيد الغربة» لسان العراقيين الذين رحلوا عن وطنهم جراء ضغط الحصار، وقصيدة مناجاة للإمام علي (ع) عن انعكاسات الحصار الرهيبة، وقصائد وطنية ووجدانية ساحرة وأبيات الموال والابوذية والدارمي ونصوص غنائية محفورة في ذاكرة الادب الشعبي وعشاقه..
وللتدليل على الثراء الشعري؛ أشير الى حكاية نص شعري جميل رد فيه المالكي على صديقه «سيد» الذي عاتبه لهجره كتابة الشعر الغزلي.. المالكي في هذا النص يرد على عتاب الصديق اشارة الى مشكلة حقيقية يعانيها المبدع في حياته الخاصة تكون احياناً مانعاً من تواصله مع ذلك النوع من الشعر، والقضية التي يثيرها الشاعر الراحل هي واقع حال نعيشه يومياً:
اتريد اكتب غزل وانساهه الهموم 
وآنه وي الغزل نافض اگوامه 
شكتب ياغزل واتغزل ابيش؟ 
«يسيد» خلهه سكته ابلا ملامه 
آنه شاعر و»جدك» املك احساس 
واترف من جنح اترف حمامه..
تره يهزني الجمال الحيل مملوح 
واطرب لو شفت بعض الوسامه 
واسكر وانتشي بنظرات العيون 
وتسحرني الشفايف بابتسامه..
وهنا يفصح المالكي عن السر الدفين في ابتعاده الاضطراري عن الشعر الغزلي بسبب مضحك ومبك معا..!!
لكن وادري لكن سبب بلواي
المثلي الواجب ايحسب كلامه 
خصام اوي «المره» من گبل عشرين 
بفشك واسلاح يوميه انترامه..! 
عجيب غريب وماذا بعد ياترى؟:
ما اكتب غزل صدگوني معذور 
شمطب البيتنه اتقوم القيامه..! 
آنه محتاج خطة امن للبيت 
تطب البيتنه وتنزع ألغامه..!
حتى اكتب شعر من صدگ مرتاح 
واوزع هاتفي وانثر أرقامه..
لأن موبايلي يوميه تفتيش تشوفه اعيون زرقاء اليمامه!!
هذا النص يكشف لنا عن الروح المرحة والفكهة الممزوجة بالسخرية لرحيم المالكي ولمشاعره الصادقة التي تضمنها النص المذكور الذي أماط فيه اللثام عن مشكلة اجتماعية تؤجج المنغصات والشكوك والتشنجات بين الزوج الفنان او الشاعر وزوجته التي تعيش هاجس المخاوف والغيرة في داخلها جراء العلاقات الاجتماعية الواسعة لشريك حياتها، فهو بقصيدته هذه وضع الاصبع على الجرح..!
ولكي نسهم في دفع تهمة ابتعاد المالكي عن الشعر الغزلي والواجدني وبعد ان بحثنا طويلاً في بيدر تراثه الشعري الباذخ، وجدنا هذا النص الجميل، وهو واحد من مئات النصوص والابيات الشعرية التي تركها أمانة بين أيدينا:
كون بگلبي تدري اشيحمل اسرار..! 
وكونك تفهم بنظرات العيون 
ليش آنه امن اشوفك اشتعل نار؟ 
گوم الحگ عليه وشوفني إشلون..
احبك وانه باقي اوياك محتار 
شفت اعيونك وصابني اجنون 
ولك گلبي گلب مو كومة احجار!!
ومن حقي آنه اگلك بيك مفتون
بارد لشوكت؟ مره انگلب حار 
وچويني واگلك: آني ممنون!
هذا أنموذج آخر على رقة وعذوبة المالكي الذي ترك وراءه بصمة لا تمحى، فاذا اردنا ان نقيم المتميزين في ترافة وسحر المفردة الشعبية العراقية المعاصرة لا يمكن لاي باحث او ناقد منصف موضوعي أن يغض الطرف عن منجز وإرث رحيم المالكي الباذخ والمتجذر في أعماق مجتمعه الذي عاشه وتفاعل معه، فهو يدعونا لحمل طبع النخيل العالي الشامخ الذي يجود  بثماره الشهية على الناس في أي زمان ومكان من دون «منية»  عبر هذه الأبوذية:
بطل لاتظل تشكي بهاماك 
وتلوم العين وتعضعض بهاماك 
اخذ طبع النخل وارفع بهاماك
واذا بالطين عرگك هاي هيه 
هذا الذي أشرت اليه بشكل مختصر وعاجل من بيدر شعر الشهيد المالكي إنما هو لا يعادل قطرة من بحر زاخر بالاصداف الثمينة التي يدفعنا الوفاء له ولذكراه أن نسلط الضوء عليها للتعريف بهذه القامة الوطنية والشعرية السامقة.