الطريق الى التغيير السياسي في العراق

الاثنين 18 كانون ثاني 2021 388

الطريق الى التغيير السياسي في العراق
ابراهيم العبادي
 
ثلاث نزعات يتوقع لها أن تكون عناوين رئيسة في الصراع السياسي والانتخابي القادم .النزعة الاولى ما بعد الاسلاموية، والنزعة الثانية الشعبوية، والنزعة الثالثة الوطنية العراقية  . فبينما تتسارع الخطى نحو جعل الانتخابات القادمة مفصلا سياسيا حاسما، تسعى قوى لإعادة مأسسة السلطة في العراق من جديد عبر تجديد وجوه الفاعلين السياسيين، تشعر قوى مضادة بأنها مستهدفة، وعليها الدفاع عن وجودها، بخوض معركة انتخابية كاملة العيار والاسلحة، وأول هذه الاسلحة سيكون الاعلام وخطاباته وشعاراته .ولأن الاعلام بطبيعته يسعى لبناء اتجاهات الرأي العام وتأطيرها، فإن القضايا المركزية التي سيركز عليها اطراف السباق الانتخابي ستعكس ذهنية التيارات وايديولوجياتها ومناهج مقاربتها لهذه القضايا مع التركيز على عناصر الشد العاطفي والوجداني .
يموج المجتمع العراقي بحراكات سياسية كبيرة، وقد أججت الاحتجاجات اسئلة كثيرة لم تكن تسائل السلطات فحسب، بل اطلقت نقاشا جوانيا داخليا ظل بعضه مكبوتا وظهر بعضه الى العلن عن جدوى الخطابات الكبيرة والسرديات الاكبر، اذا لم تكن القوى والنخب التي تنتمي اليها  قادرة على استيعاب تطلعات الناس وحل مشكلاتهم الاقتصادية والامنية والاجتماعية .في سياق هذه الاسئلة، يتمظهر الصراع السياسي تحت مظلة تيارات ثلاثة بنزعاتها ما بعد الاسلاموية والشعبوية والوطنية، وهذه التيارات هي التي ستخوض الانتخابات لكن بمسمياتها القديمة والجديدة، فالمتنافسون سيدخلون صراع وجود لتأكيد حضورهم في هيكلية السلطة، وتمثيل جزء من الشارع الذي اضطرب كثيرا على وقع هزات سياسية وازمات اقتصادية وصراع محاور اقليمية ودولية، علاوة على اخفاق القوى التي امسكت السلطة في ادارة الدولة بمستوى من المقبولية والمعقولية يؤهلها للاستمرار .
تتمثل ما بعد الاسلاموية بإعادة انتاج (المشروع الاسلامي العراقي) بتلاوينه المختلفة مذهبيا وحزبيا ليتلاءم مع النقد العنيف الذي تعرض له (الاسلامويون) في سعيهم لأسلمة الحياة وفق منظوراتهم الايديولوجية، إذ لم تعد الأسلمة وبرنامجها قادرة على تلبية متطلبات الحياة اليومية للجمهور، فقد استنفد الشعار طاقته، والمشروع قدرته على الاقناع، ولم يعد شعار الاسلام هو الحل كافيا لمقاربة ازمات ومشكلات الدولة والمجتمع، ولم يجسد دعاة المشروع مهارات وقدرات كافية للابقاء على الحماسة وتوظيف الجهود لادامة زخم (معركة الاسلمة) كما كانوا يتخيلونها. بالاجمال عانت قوى الاسلام السياسي معاناة شديدة في اثبات جدارة سلطوية وحلول مبتكرة للأزمات المتلاحقة، وصار اقناع الجمهور تحديا هائلا يستدعي اعادة فحص الادوات والاساليب وتكوين نخب جديدة بمفاهيم ورؤى جديدة على ضوء النقد الداخلي والخارجي الذي تعرضت له تجارب الاسلاميين عموما، ومن هنا يأتي الحديث عن (ما بعد الاسلاموية) ليكون تعبيرا عن فكر جديد ومرحلة جديدة! يصبح فيها التدين والدعوة الى المشروع الاسلامي متمايزين كثيرا عن الماضي والحاضر، تمايزا تمليه مرحلة الانفضاض والنقد والرفض، وهذه النزعة افترض (أنا شخصيا) انها ستكون حاضرة في الانتخابات بصيغ متعددة، الى جانب القوى الشعبوية التي ستملأ الفضاء السياسي باساليبها في تسطيح الوعي وتزييف السجالات الفكرية والعبور على القضايا الكبرى بلوم الاخرين واستمرار خطابات الكراهية وتنميط الاعداء وتحميل الاخر المسؤولية وتنزيه الذات، أما قضايا الفشل والفساد وازدراء الدولة ومنافستها وتعويم سلطاتها ومؤسساتها فانها متروكة بلا جواب لان المخفي غير المعلن، ولان ساعة الاصلاح لم تدق في عقول واسماع سدنة هذا المشروع .يبقى تيار الوطنية العراقية باحثا عن حيز في هذه الانتخابات ايضا، فهو تيار وليد لكنه قوي بمحاججاته واستيعابه لتجربة السنين الماضية، انه تيار لا يريد ان يحول معركة بناء الدولة الى صراع اسلاميين وعلمانيين، ولا صراع قوميين وأمميين، او صراع قوى محلية ضد قوى خارجية ، فقد استهلكت الصراعات الايديولوجية والاحلام الثورية والمشاريع الطوباوية مئة عام من عمر الدولة، وحان الان موعد (وضع) حصاد التجارب المريرة موضع تطبيق ليكون التركيز على بناء العراق ودولة العراقيين بلا صراع ايديولوجيات ولا احلام طوباوية، انها مراهنة خطيرة على وعي لم ينجز بناء نفسه بعد .