ثقوب أقراطي

الثلاثاء 19 كانون ثاني 2021 106

ثقوب أقراطي
ابتهال بليبل 
لطالما كانت جدتي تتفاخر، بقدرتها على ثقب الآذان! وخاصّة لصغيرات الأقارب والجيران، وبقدر الاستمتاع بفضول التلصّص على أصابعها وهي تدفع إبرة الخياطة (بعد أن تعرضها لنار المدفأة أو الطباخ) بشحمة أذن طفلة ما، فنرى جرحاًيلتمع بالدم لحظة سحبها من الجانب الآخر وعقد الخيط بشكل حلقة دائرية، كان إحساسنا بالخوف منها يتعاظم عندما تحدق بعينين تطيّرانه ليتوزع حولنا.. وكثيراً ما كنّا نخشى تهديداتها بتكرار (ثقب آذاننا) ونحن نهرب من ثقل عناد تركناه معها توّاً.
ورغم ذلك، كنت مولعة بالنظر إلى الخيوط البيضاء المتدلية من آذان الفتيات.. بعد ذلك تطورتُ ورحتُ أعجب بأقراط حبة اللؤلؤ، وكان يوجعني أحياناً عدم السماح بارتداء الطويلة منها والملونة، لذا كنا نخلعها بخفية عند بوابة المدرسة، ثم لا نلبث أن ننسّل لنرتديها من جديد عند الخروج.. أمام البوابة نفسها! 
لحديث ثقب الأذن توق إلى مالا ندركه آنذاك وخاصة عندما تستوقفنا فتاة لديّها ثقبان في كل أذن.. بدهشة نراقب قسمات وجهها، نتحيّن الفرصة للاقتراب منها، نخمّن طريقة حديثها، ولكن، بغتة ندير وجوهنا صوب تلك المفاهيم الاجتماعية التي كانت تفرض استغرابنا من جرأتها.. جرأة تكرار ثقوب الأذن، وأيضاً اعجابنا الذي يسكنه تمردنا الصامت. 
ثمّة سرّ، ذلك أن ما عرفته عن تكرار ثقوب الأذن في صغري كان عقوبة بينما الآن صار موضة نتبعها بشغف يشغلنا دوماً بتبرير ولعنا بموضة (بيرسينج) وارتداء الأقراط المتعددة، وقد ينتهي الأمر بسيدة طاعنة في السن، للقول بأن كثرة الثقوب هو عمل (لا أخلاقي) يعطّل القيم الاجتماعية، بل وتتحدث عن التمردية البديلة.
وبالارتكاز على ذلك، فإنّ هذه الموضة هي الأكثر جدارة بتصوير سّلطة الأنظمة الغريبة في ثقافتنا والقائمة على تشييء النساء.. فالمعايير النمطية هنا تذّكرني بقصة انتحار المنسية، الشاعرة غريبة الأطوار وفنانة النحت والأداء البارونة (إلسا فون فريتاغ لورينجهوفن، 1874 – 1927) 
البارونة التي كانت ترتدي الملاعق كأقراط للأذن، كسرت نظرة الأعراف تجاه المرأة في الأعمال الفنية والأدبية، الأعراف التي دفعت إلى حرمانها من حق ارتداء الملابس وفق ما تريد، والمطالبة بمحاسبة من تنخرط في إبداع غير مقيد حتىّ تكون مختلفة أو "دادائية التوجه".. فالواقع يشكّل مفهوم المقاومة على أساس التمييز الجنسي ويدعم التقاطعات بين (القدرة، الفوضى، الجندر) حين تسكن الأنثى في جسد غير خاضع لسلطة ما.
لذا، يغدو مهماً الكشف عن ثورة الجسد الأنثوي المغيّبة ولو من تعدد ثقوب الأذن، ولكن ليس انطلاقاً من (وجهة نظر الحركة الدادائية)كما البارونة (ذاتية غير عقلانية ومعذبة من ملابسهاوأقراطها ومكياجها المتعلق بالإغواء العدواني) وإنما كأساليب تبني الإحساس بالحرية وبامتلاك الجسد.
بحركة أقراطي وتعددها أفتقد الشعور بالشلل، القيد،أتقدّم أو أتراجع.. تلك هي الحرية ذاتها بالنسبة لي الآن. وبينما كنت محاصرة وغير قادرة ليس فقط على الإحساس بوجودي، بل أيضاً على ارتداء ما أريد من اكسسوار وملابس.. والأهمّ، أن الثقوب بذاتها تصبح منفذا.. طريقاً، يحررنا من دون قيد أو خوف.