سلطة الآلهة المؤنثة في الشرق

الثلاثاء 19 كانون ثاني 2021 232

سلطة الآلهة المؤنثة في الشرق
ناجح المعموري
 
إن الآلهة المؤنثة في الحضارة العراقية والشرقية بوصفها سلطة ذات نظام ثقافي وديني، ظل ثابتاً ومستقراً لفترات طويلة وممتدة منذ لحظة ابتداء الزراعة، كانت وظلت آلهة مهيمنة بوحدات مكونة لنظامها المشار له، هذه الوحدات هي: العقائد، والطقوس، والشعائر، والأساطير، ولم يكن هذا النظام ثابتاً بانضباط عال للغاية وإنما حصلت فيه تطورات اجتما – ثقافية وسياسية ودينية، لأن مثل هذا النظام وغيره لم يكن مغلقاً أمام الشروط الموضوعية الجديدة، بل كان مستعداً لاستلام ما يفرضه المجال الموضوعي وحتمية التطور التاريخي. 
ولذا كان التطور الثقافي والحراك الديني في العراق القديم مستوعبين للجديد، ولحظة التشكل المختلف بداية التدوين والاعتماد على النصوص الشعرية والأسطورية. ولأن الألوهةالمؤنثة ذات سلطة كل معطياتها مكرسة للحياة والخصوبة فيها وما يجاورها من عقائد وطقوس داعمة لخطابها، لابد لي من اختبار أنموذج الألوهة المؤنثة الذي تعرض للتغيير والارتجال وحيازة وحدات ثقافية ودينية، واعتقد بأن الآلهة إنانا/ عشتار أفضل أنموذج في هذا المجال، ونستطيع من خلاله تقديم كشف عن عناصره الأولى، المؤسسة لنظامه الخاص، الذي هو بعض من برديم الألوهة في الديانة العراقية، وكشفت لنا الأساطير الخاصة بها تنوع سلطاتها،الاجتماعية والدينية و السياسية. 
وخضعت عناصر تكون الآلهة في العراق القديم إلى تأثيرات البنية وخصائصها المائية التي أوجدت زراعة متطورة رافقتها شبكة من الأنهار والجداول والتحصينات الأولية، واعتقد بأن للبيئة ومتغيرات المناخ وخصائصه المعروفة انعكاسات على شخصية الإله/ الآلهة أو شخصية الملك أي بمعنى كان للظواهر المجتمعية/ الاقتصادية تأثير واضح على ما صاغته البنية الذهنية الأسطورية وتبّدى في عناصر ووظائف الآلهة المذكرة واختلاف عناصر البيئتين الطبيعية والبشرية في العراق القديم، وتنوعهما يقدم الأساس الذي قامت عليه واقعة التنوع الحضاري فيه، وتعدد الديانات والآلهة واختلاف القيم والمعتقدات والتقاليد، كانا سبباً أساسياً للانقسام بين الدول الناشئة في هذا الإقليم وحروبها المستمرة، ما جعل ظاهرة عدم الاستقرار الاجتماعي – السياسي من الظواهر التاريخية المميزة، وفرض على حضارته ودولها الاهتمام بقوتها (1).
هذا التباين الحاصل بين مناطق العراق القديم، ووفود أقوام كثيرة غازية ومتبادلة/ تجارية منح هذا المكان خصائص ما زالت إلى الآن واضحة في السلوك الشخصي والممارسة الجمعية، وما له وجود ملحوظ سيكون حتماً متبدّياً في تكونات الآلهة ومنعكساً في العقائد والطقوس.
وأعتقد بأن التغيرات الحاصلة في الخصائص الإلهية، تسحب معها أيضاً الثابت وتزحزحه، لتفسح مجالاً لإضافات أخرى. (كما تركت البيئة الطبيعية بمظاهرها المناخية الحادة والمتطرفة والمتقلبة، أثرها في المعتقدات الدينية والسياسية أيضاً، فعندما يكثر الرعد والبرق والصواعق في فصل الشتاء، ويصبح الجو جافاً في الصيف يصبح طبيعياً خوف الإنسان من هذه الظواهر، وربطه بين حدوثها ومشاعر الرضا أو السخط عن الآلهة، التي أصبحت رموزاًللظواهر الطبيعية أو نتائجها) أو الأرض، السماء، الرعد، الماء، الخصب، الرخاء، القوة، البطولة (وفي ظل سيادة معتقدات دينية كهذه، يفقد الحاكم السياسي دوره في السيطرة على الطبيعة أو التحكم فيها وتصبح خصائصه إنسانية غير مقدسة، بينما تتركز القدسية في سلطته المفوضة إليه من الآلهة في شخصه الطبيعي).
وأعتقد بأن وجود الجزيريين في العراق بالكثافة السكانية المعروفة الوافدة على شكل موجات بشرية هائلة، والزاحفة إلى جنوب العراق، حيث الحضارة السومرية الجديدة مع ديانتها المتنامية/ والمتحركة قد وفرت فرصاً واسعة للجزيريين واندغموا مع أصحاب الحضارة، ولم يشعروا بعقدة النقص، بل تعاملوا مع الديانة السائدة باعتبارها ديانتهم، لكن دوريهم الثقافي/ والديني لم يتضحا إلا في عصر سرجون الأكدي، وقد استحضر الجزيريون كل ثقافة/ ودين سومر وأجروا عليهما تغييرات بسيطة جداً والمطلع على الديانتين يعرف حجم ذلك. ولكن لابد لنا من الإشارة والتأكيد على الدور السومري في مختلف المجالات ولعل أهم ما قدمته البنية الذهنية السومرية كما قال د. يوسف حوراني هو التصنيفات الموضوعية، وهذه التصنيفات تعدّت الظواهر المادية، فشمل نهجها الصفات المجردة كاختصاصات قوى الطبيعة والمهن الإنسانية والفنية ومراتب السلطة وشعائر الحضارة.
ووسط هذه الحاضنة تشكل العديد من الآلهة في سومر وصار لكل واحد منهم نظامه الثقافي/ والديني وكانت الآلهة إنانا/ عشتار إحدى الإلوهات وهي عضو في مجلس الآلهة الذي يمثل السلطة العليا وتثير هذه الآلهة كثيراً من الأسئلة حول تكونها وتشكلاتها واستعدادها للتغيير وحيازة وظائف جديدة لتصبح بها مهيمنة وذات سلطة دينية قوية جداً، وهذا ما سنشير له بشكل سريع ومركز.
 (كل الديانات بدأت عشتارية وكل سر من أسرار الطبيعة وحكمة من حكمها وخبيئة من خبايا النفس الإنسانية وعلاقة من علائق القوى الخفية قد أبانتها عشتار في كل جزء أو جزء إشارة لبني البشر عن طريق كاهناتها اللاتي كن منذ البداية صلة بين عالم البشر وعالم الآلهة، بذلك لعبت المرأة دور المعلم الأول في تاريخ الحضارة، فالمرأة أكثر حساً بالخفي والماورائي من الرجل وأكثر منه تديناً وإيماناً بالقوى الإلهية) (3).
كانت لها سلطات عديدة، مثل الجنس والرغبة وصفتها العذرية مبكرة في ديانات الشرق وهي أولى الإلوهات التي تستعيد عذريتها بعد كل اتصال جنسي، هذا بالإضافة إلى قسوتها وعنفها الواضح، هذه الثنائية المتضادة مع بعضها ميزت الآلهة إنانا/ عشتار وكان لها تأثير واضح جداً على الإلوهات المؤنثة الأخرى في الديانات الشرقية وأكثرها تماثلاً مع إنانا/ عشتار هي عناة الكنعانية.
-----
1ــ د. عامر حسن فياض / د. علي عباس مراد / اشكالية السلطة في تأملات العقل الشرقي القديم والإسلامي الوسيط / دار الشؤون الثقافية / 2005 / ص62.
2ــ ن. م / ص62.
3ــ ناجح المعموري / أساطير الآلهة في بلاد الرافدين / دار المدى / دمشق / 2006 / ص62.