الرصاص الغادر

الأربعاء 20 كانون ثاني 2021 219

الرصاص الغادر
نجم الشيخ داغر
 
لم يشعر إلا وروحه قد فارقت جسده وصعد في الهواء سريعا وتبدل كل شيء حوله، وكأنه دخل في بعد آخر ووصل لأرض قاحلة لا حياة فيها، غير منازل مصبوغة بالدم القاني منتشرة هنا وهناك، على جدرانها صور مرعبة تنذر بعذاب شديد سيأتي لأصحابها قريبا، بينما تعلو السماء صورا لمليارات البشر المقتولين ظلما وعدوانا وهم ينظرون شزرا لأصحاب هذه الدور.
تسمر في مكانه وألجمته الدهشة الممتزجة برعب شديد، وهو يساق الى أحد المنازل، التي رأى صورته تعلق على بابه مكتوب تحتها بخط احمر يسيل دما (قاتل).
 جاء في خلده أن يستغيث بأنه لم يقتل أحدا، ولكن لا صوت يخرج من فمه لهول الصدمة، وبعد جهد جهيد استطاع أن يجمع قوته ويصرخ قائلا: (انا لم أقتل أحدا، فلماذا أساق مع هؤلاء؟)، حينها نودي به بل انك ارتكبت جريمة القتل بكل اصرار وتكبر، وظهر أمامه وعلى امتداد الأفق قوله تعالى ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعً﴾ المائدة، 32. واخذت الصور المعلقة في السماء تقرأ هذه الآية مثل جوقة سماوية، مشيرة اليه بأنه
 قاتلها!.
شله الخوف ولم يدر ما يقول، بيد أنه أصرّ على عدم قتله لأحد، وفي وسط لجاجته عرض عليه شريط  حياته، ليرى كيف أنه أخرج سلاحه وأطلق منه مخزنا كاملا من الرصاص، ابتهاجا بعرس أخيه، هذا الرصاص الذي أودى بحياة طفل بريء كان ينتظر اهله بلوغه بشغف، فتركهم في دوامة حزن وجزع لم يخرجوا منه حتى سنين
 متمادية.
سقط بيده وعقد لسانه حينما شاهد بأم عينيه ولكن بعد فوات الأوان، كيف ان لحظة رعونة وطيش واستهتار حولت عرس أخيه الى مأتم لأسرة اخرى، عندها علم ان هذه الدور المصطبغة بالدم هي منازل القتلة معدومي الضمير
 أمثاله.
 ولما عرف ذنبه تم سوقه بعنف شديد لتلك الدوامة التي تزفر بالنار والمتمركزة وسط المنازل الدموية، متمنيا أن يعود ولو للحظة واحدة كي يعدل عن هذه الجريمة المروعة، ولا يحرم ذلك الطفل البريء وأهله من التنعم بحياة
 هانئة.
استيقظ من نومه مرعوبا باكيا شاكرا الله في الوقت نفسه، انه لم يرتكب هذا الذنب الكبير ولم يطلق تلك الرصاصات الغادرة، التي كان يعتزم اطلاقها يوم غد في زفاف شقيقه، عازما على سرد ما رأى من أهوال على إسماع كل من يعرفه او لا يعرفه، عله يسهم بإيقاظ بعض الضمائر الغافلة، ويمنعها من ارتكاب جرائم اقل ما توصف بأنها جرائم جبانة خسيسة لا تمت للمروءة بصلة.