رواية إخلاص المشتبه به {x} تجيب عن السؤال

الخميس 21 كانون ثاني 2021 100

رواية إخلاص المشتبه به {x} تجيب عن السؤال

فاطمة بومدين

العديد منا أصابه الفزع من السرعة التي غيّر بها قدوم الفيروس التاجي حياتنا ومدى دراماتيكية تلك التغييرات: المرض المستفحل، إغلاق المدارس، أوامر البقاء في المنزل، البطالة الجماعية، وحزم التحفيز الحكومية الهائلة.

يعد الأدب الياباني أدب حديث نسبيا لا يرقى إلى أبعد من القرن السابع للميلاد إذإن أقدم أثر أدبي ياباني ذي شأن مهم هوManyoshu التي تحمل بين طياتها نحو 4 آلاف قصيدة نظمها شعراء من أهل القرنين 7 و8 والتي تم جمعها في نحو عام 760، وهناك من يقول إن الأدب الياباني انبثق وسط رماد الحرب نتيجة للتأثر الكبير الذي شهدته المنطقة من نشاط عسكري وقومي متطرف فكتب الجميع قصائد تشجع على الحرب تلقائيا من دون إجبار، ثم ظهرت أول قصة نثرية في منتصف القرن 10 بعنوان GengiMonogatari وشهدت اليابان بظهورها وثبة كبيرة في عالم الكتابة إذ صنفت من بين أروع الآثار القصصية في الأدب العالمي كله تصور فيها MurasakiShikibu حياة الأمير گنجي وكل مغامراته العاطفية ثم تطور الأدب في اليابان فشهد حدث جديد غير القصة والشعر وهو ظهور مسرح النو No Theater الذي كان خشبة تعتمد بدرجة كبيرة على الموسيقى والرقص في تلك الفترة، ومع دخول القرن 17 دخل الأدب الياباني نهضة جديدة تحمل تشكيلة من الروايات والمسرحيات التي تستمد موضوعها من الحياة اليومية، ومن أبرز كتابهاChikamatsuوهو أكبر كاتب مسرحي عرفته اليابان، وفي منتصف القرن 19 تأثر الأدب الياباني بالأدب الغربي واستلهم كل ماهو أجنبي، وأدى هذا التأثر الى ظهور المدرسة الرومانتيكية والمدرسة الطبيعية وكذا المدرسة الواقعية، ومنذ تلك الفترة واليابان تعرف أجناسا مختلفة من النثر حتى وصلت إلى روايات الجريمة والغموض التي أبدع فيها (كيغو هيغاشينو) إذ بدأ 
الكتابة وهو لا يزال مهندسًا في إحدى الشركات وفاز بجائزة (إيدوغاوا رامبو) عام 1985 لروايته (هوكاغو) وهو في سن 27 من عمره التي خرج على اثرها مباشرة من العمل وباشر عمله في الكتابة بـ طوكيو ففاز بجائزة اليابان عام 1999 لروايته الغامضة "سر" وفي عام 2006 فاز بجائزة ناوكي بروايته إخلاص المشتبه X التي صدرت عام 2005 وقد حصدت على العديد من جوائز المرموقة وتم ترجمتها للغة الإنجليزية فجاءت بعنوان Devotionof Suspect X وهي الثالثة في سلسلة روايات المتحري (غاليليو) وأكثر أعمال الكاتب نجاحا ورشحت النسخة الإنجليزية المترجمة لجائزة (إيدغار) في أفضل رواية لعام 2012 وجائزة باري وقد تم بناء الرواية على شخصيات ذكية ودقيقة وملمة بالتفاصيل يمثلها كل من (تيتسويا إيشيغامي) مدرس الرياضيات- ياسوكوها ناوكا الأم (ميساتو هاناوكا) ابنة ياسوكو من زواج سابق (شينجي توغاشي) طليق الأم (مانابو يوكاوا) باحث الفيزياء الملقب (بغاليليوشونبي كوساناغي) المحقق في قضية قتل (توغاشيكو ساناغي) صديق سابق لي مانابو.. الخ.
تبدأ القصة عندما يقصد الزوج السابق (توغاشي) المطعم الذي تعمل فيه طليقته (ياسوكو هاناوكا) للبحث عنها ثم يتوجه في اليوم الموالي لبيتها تتدهورالأمور بينهما تدريجيا وخطوة بخطوة وصل الأمر بـ(ياسوكو) وابنتها (ميساتو) بقتله،عرف (تيتسويا)جارها أستاذ الرياضيات الذي كان يزور المطعم يوميا لأجلها بالأمر بطريقة ما وعمل جاهدا على اِعادة تركيب القضية لمساعدتهما في اِخفاء الجثة بذكاء وضع الشرطة والمحققين في حلقة مغلقة لانهاية لها، وكانت الأمور تسير على خير مايرام لولا الزيارة المفاجأة التي قام بها (مانابو) الفيزيائي (لتيتسويا).
يواصل الكاتب طرح القضية في سطور يغمرها الغموض الكلي واصفا حالة كل من الأم والبنت والأستاذ المتقلبة أحيانا والثابتة أحيانا أخرى، بأسلوب شيق وأفكار متسلسلة ثم كيف اِنقلبت الموازين فجأة وصار الصديق محققا في قضية القتل والمشتبه به الأول هو الرياضي (ميتسويا اشيغامي) ويدخل الكاتب في باب مغلق بعدها مباشرة تظهر إثره الجثة في (شيزوكا) تبحث الشرطة عن خيوط للجريمة، فيصل بها الحال إلى (ياسوكو. كوساناغي) وهو المحقق الرئيسي القائم على القضية وصديق مقرب للفيزيائي وهذا الأمر هو الذي ساعد في كشف بعض العقد التي صنعها (اشيغامي) بدقة.
الرواية جاءت كلغزٍ ربما ليس هدفها شرح طريقة القتل ولا إبراز حقائقه ولا التباهي بذكاء الفرد الياباني بل جاءت كسؤال يحتاج الى جواب ما الذي يدفع (بإشغامي) للقيام بكل ماقام به وماسيقوم به!؟ هل هو الشفقة! هل هو الإنسانية! أم هو الحب!؟ الذي جعل أستاذ الرياضيات يعترفبارتكابه للجريمة رغم أنه لم يفعل 
ذلك.
كان كل شيء رغم اعترافه ذاك معقدا جدا لكن في أوساط القصة يكشف الكاتب حقيقة جديدة وهو أن (اشيغامي) استدرج رجلا آخر وقام بقتله وتشويهه وهو ما اكتشفته الشرطة بينما الجثة الحقيقية كانت مرمية في مكان آخر وانتهت الرواية بدخول رجل الرياضيات الذكي (ايشغامي) السجن لحماية المرأة واِبنتها، ثم اختتم الكاتب المشهد الروائي بالزيارة التي ينفجر فيها الحبيب باكيا على محبوبته بكاء قد تخرج الروح من الجسد اثره، كأن الكاتب في هذه الرواية يخاطب الشجعان الذين يضحون من أجل الحب، ويلج بنا من خلالها في أعماق المجتمع  الياباني العجيب الذي كان يطغى عليه الحياء والانضباط ويحيط به الصمت والرقة حتى في الجريمة، ان هذه الرواية بشخصياتها المثيرة وخيوطها المتشابكة والمشوقة وسردها الممتع تجعلنا نسير على النهج نفسه بل ونطرح على أنفسنا سؤالا لاجواب له سوى المواقف لأن الكلمات وحدها تخون كونها  ناقصة.
إلى أي حدٍّ نحن مستعدون للذهاب من أجل الحب!؟