أحمد فؤاد نجم بين السجن والسلطة

الخميس 21 كانون ثاني 2021 107

أحمد فؤاد نجم بين السجن والسلطة
عفاف مطر  
 
 
الاسم: غاضب، التهمة: مصري، تسأل عليَّ المخبرين في كل حين
تسمع وتفهم قصتي ألف وبيه، الاسم صابر على البلا ايوب حمار
شيل الحمول من قسمتي والانتظار، أغرق في انهار العرق طول النهار
والم همي في المسا وارقد عليه، عرفت ليه؟
ارتبط اسم نجم بالمنع والمصادرة والسجن والاعتقال، وهو الشاعر المصري الوحيد الذي مثل للمحاكمة أكثر من مرة بسبب قصائده السياسية، والتهمة دوما واحدة: تكدير السلم العام. صدَّق نجم أحلام عبد الناصر القومية وآلة إعلامه القوية حينذاك، وصدّق باقتراب النصر على اسرائيل، وكان كما كان الكثيرين متيّماً بعبد الناصر، ولم يخطر بباله أن عبد الناصر سيزج به في غياهب المعتقل. بعد هزيمة 1967 التي مثلت صفعة قوية لنجم، تقيأ دماً وكتب قصيدة الحمد الله التي يقول فيها:
الحمد الله خبطنا تحت بطاطنا.. يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار
يأهل مصر المحمية بالحرامية.. الفول كتير والطعمية والبر عمار،
والعيشة معدن وأهي ماشية أخر اشيا.. مدام جنابو والحاشية بكروش وكبار.
كان تاريخ الهزيمة، تاريخ تحول العلاقة بين نجم وعبد الناصر، وبالسلطة بصورة عامة، واصبحت قصائده تنديداً وهجوماً على آلة القمع التي يرأسها عبد الناصر، ووصل به الحد أن هاجم شخص عبد الناصر نفسه. نجم لم يكن مثالاً للتمرد والرفض فقط بل وللتحدي لعبد الناصر والجيش المصري، وهو بقصيدة (الحمد الله) اختار الاختيار الأصعب، وهو توجيه نقده المباشر لرأس السلطة، وقد اسماه نجم، بعبد الجبار إذ قال:
كفايه اسيادنا البعدا، عايشين سعدا
بفضل ناس تملا المعده، وتقول اشعار
اشعار تمجد وتماين، حتى الخاين
وان شا الله يخربها مداين، عبد الجبار
ويرى النقاد أن الهزيمة القت بظلالها القاسية على كل المصريين، العامة والمثقفين، لكن هجوم نجم على القوات المسلحة المصرية بشكل مباشر، وهو أمر لم يسبقه اليه أحد، كان له تأثير مزلزل على الوجدان المصري. بالطبع وصلت القصيدة لعبد الناصر، فأمر أن لا يخرج كاتبها نجم، ومن غناها أي الشيخ إمام أبداً من السجن، وذلك أن عبد الناصر كان يخشى من الثورة المضادة، لهذا كان حريصاً على أن يلتزم الناس بالصمت. ساومت السلطات حينذاك نجم والشيخ إمام، بإمكانية الخروج من السجن لو كتبوا تعهداً بعدم التجاوز على السلطة مجدداً، إلا أنهما رفضا، فبقيا في السجن مدة ثلاث سنوات من دون تهمة حقيقية، ولم يخرجا منه إلا سنة 1971 حين تولى السادات سدة الحكم، وعلى الرغم من انتصار اكتوبر 1973 بدأ نجم فصلاً جديداً من الصراع مع السلطة، وذلك بسبب تضيقيه على اليساريين المستنيرين والمثقفين، وتوطيد العلاقة مع اسرائيل وتراجع العلاقات مع الاتحاد السوفيتي حينها. حين انتفض الشعب المصري في 17 و18/ يناير/ 1977 ضد ظلم السادات، تعامل نجم مع هذه الانتفاضة كثورة، فيما اسماها السادات بانتفاضة اللصوص، فكانت قصيدته (هما مين واحنا مين) وكانت الشرارة الاولى لاندلاع الحرب بين الاثنين، تبعها العديد من القصائد والاغاني التي تسخر وتعارض السادات، على رأسها قصيدة (بيان هام) وهي قصيدة فيها قدر كبير من الاحتجاج الاجتماعي، وقد استوحاها نجم من كلمات وطريقة السادات حين يلقي خطاباته، فما كان من السادات كأي ديكتاتور إلا أن يبحث بشكل مسعور ويعتقل كل من يرددها أو يقرأها لا سيّما بعد انتشارها بين طلبة الجامعات، فصارت لا تُسمع الا في الجلسات الخاصة. وهناك من النقاد والسياسيين من ذهب الى أنها من أهم أسباب تفجير الحركة الطلابية ضد السادات في السبعينيات. أمسكت الشرطة بنجم ووقف أمام النيابة بتهمة أنه قلد طريقة السادات في الكلام حين ألقى قصيدته (بيان هام) ووصل الأمر بالسادات أن زج نجم أمام محكمة عسكرية وهي السابقة الأولى من نوعها التي يحاكم فيها شاعر أمام محكمة عسكرية، وصدر عليه الحكم بالسجن لمدة سنة بتهمة تقليد صوت السادات. بعد اغتيال السادات كان نجم في السجن وكتب حينها قصيدة (أصل الحكاية) وهي تحكي عن خالد الاسلامبولي قاتل السادات، ووصفه بالفارس الشجاع الذي قتل خائن العروبة والمتعاون مع اسرائيل – أي السادات- وهو بمدح خالد لا يمدح التيار الديني، بل عبر عن غبطته عن قتل السادات الذي نكل بالتيار اليساري، لكن للأسف التيار اليساري رفض نجم بسبب مدحه لقاتل منتمي للتيار الديني المتطرف. تَعرُضْ نجم وقصائده للحظر المستمر، أعطى نصوصه زخماً كبيراً، فنجم لم يكن يكتب لابن الشارع من باب الشفقة بل من باب الشراكة في المصير والمعاناة، فهو أنموذج للمثقف الذي يلتحم مع أبناء شعبه.
أنا الأديب الأدباتي.. غايظني حال بلدياتي
وغلبت أوحوح وآهاتي.. لكن بلدنا سمعها تقيل
الله الله يا بدوي.. هات الشخاليل
* شرم برم والناس غفله.. والكدب لعلع في الحفله
وأغلب السامر مساطيل.. الله الله يا بدوي
دق الشخاليل.