مآلات الأمن الإقليمي

السبت 23 كانون ثاني 2021 271

مآلات الأمن الإقليمي
محمد صالح صدقيان 
 
عندما وضع المرشد الإيراني آية الله السيد علي خامنئي مقاسات لطاولة المفاوضات المحتملة مع الولايات المتحدة، فإنّه في حقيقة الأمر رسم إطاراً جديداً للمصالح الأمنية القومية في المنطقة كما تراها طهران. 
المرشد الإيراني في كلمته المتلفزة في 8 كانون الثاني الحالي، أشار الى ثوابت تُستخدم على طاولة المفاوضات لكنها كانت رسائل متعددة الاتجاهات.
ما قاله في هذه الثوابت؛ أن إيران لا يمكن لها أن تترك أصدقاءها في المنطقة من دون دعم وهي لا تريد إضعافهم من أي جهة كانت؛ وذكر منهم سوريا والعراق من دون أن يشير الى بقية هؤلاء الأصدقاء المعروفين لدى جميع المهتمين بالشأن الإيراني والإقليمي. 
الأمر الثاني أن إيران لا يمكن لها التخلي عن قوتها العسكرية وتحديداً الصاروخية التي اعتبرها قوة ردع لا يمكن الاستغناء عنها في ظل تسليح إقليمي وتوتر عسكري غير مسبوق يشهده الإقليم. 
الأمر الثالث أن إيران غير مستعجلة لعودة الولايات المتحدة لطاولة (5+1)، لكنه قال إن (أي عودة تستلزم إلغاء جميع العقوبات)، وجعل هذا الإلغاء (أولاً)، وإن (عدتم عدنا)، بمعنى إزالة جميع العقوبات التي فرضت بعد العام 2017 مقابل العودة عن خطوات التصعيد والرجوع الى ما قبل عام 2017، والذي يشمل النسبة المرتفعة لتخصيب اليورانيوم. 
واضح أن السيد الخامنئي أراد وضع مقاسات الطاولة أمام الحكومة الإيرانية والإدارة الأميركية الجديدة؛ لكن الأهم في ذلك هو حدود وثوابت الأمن الإقليمي الذي أراد تحديده وهو ما يرتبط بدول الإقليم التي إن شاءت ضبط أوقاتها على الساعة الإيرانية. 
الآن إيران تفكر بصوت مرتفع وتقول إنها "لن تتخلى عن أصدقائها"، لا أريد أن أقيّم صوابية التصور من عدمه وإنما هذا الواقع الذي ترسمه إيران للأمن الإقليمي بمعنى أنها لا تريد الانكفاء الى داخل حدودها، ومثلما كان للولايات المتحدة أصدقاء وحلفاء في المنطقة؛ فإنها كذلك لديها أصدقاء وحلفاء ليس بنيتها التخلي عنهم ولا تسمح بالمساس بهم ولا بأمنهم الوطني.
في القاموس السياسي الإيراني؛ العام 2021 يختلف عن العام 2015 تماماً كما قالت كبيرة المفاوضين الأميركيين وندي شيرمان في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما والمعينة حديثاً كمعاونة وزارة خارجية الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن؛ وبالتالي فإن مقاسات الطاولة تختلف عن تلك التي كانت في العام 2015، ويبدو أن جميع الأطراف المعنية بالملف الإيراني تعتقد مثل هذا الاعتقاد وليس إيران والولايات المتحدة فحسب. 
تبقى دول الإقليم ماذا تريد أن تفعل في المرحلة المقبلة وهي التي تملك بحق تصورات وثوابت ورؤى واضحة ومعينة؟. 
في الواقعية السياسية؛ أمام هذه الدول مقاربتان: الأولى؛ الانتظار لما تفضي إليه المفاوضات الإيرانية الغربية وعندها ترى أين هي من هذه المفاوضات كما فعلت في مفاوضات 2015، بمعنى تخويل الآخرين التفكير وكفى الله المؤمنين القتال.
أما المقاربة الثانية فهي الدخول في مفاوضات مباشرة مع إيران لوضع "خارطة طريق" على قاعدة الحد الأدنى من المشتركات والتفاهمات من أجل ضمان الأمن والاستقرار للمنطقة بأكملها.
لا أعتقد أن الجانبين الأميركي والإيراني يسمحان بمشاركة أي من الدول الإقليمية في المفاوضات المحتملة القادمة لأن إيران تقول إنها لا تريد مناقشة قضايا الإقليم مع الجانب الغربي حتى يكون هناك تواجد إقليمي معني بهذه المفاوضات؛ كما أن الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن قال إنه بحاجة الى دور أوروبي مع الصين وروسيا ولم يذكر أيا من الدول الإقليمية. 
أنا أعتقد أن الجانبين يمتلكان تصورات مختلفة للأمن القومي والأمن الإقليمي في ضوء فراغ المنطقة من نظام أمني بعد انتهاء الحرب الباردة؛ ولذلك تأتي أهمية الجلوس على طاولة المفاوضات من أجل حل هذه العقدة المستعصية قبل أن يحلها الآخرون على مقاساتهم.