تقاليد اجتماعيَّة بأهداف عميقة

الأحد 24 كانون ثاني 2021 95

تقاليد اجتماعيَّة بأهداف عميقة
 د. عدنان صبيح
 
 
يؤكد علماء الاجتماع حقيقة مفادها بأن للإجراءات الاجتماعية وظائف ظاهرة واخرى كامنة، تتعلق الظاهرة منها  بالأهداف الواعية والمباشرة، بينما تكمن القيمة الكامنة في أنها غير مباشرة، او لا تظهر آثارها بصورة سريعة، هذه الرؤية التي نقرأها بصورة مستمرة في علم الاجتماع، وهي تعود الى النظرية الوظيفية البارسونزية وتوسعت الى المدارس الأخرى السوسيولوجية والانثروبولوجية. تلك المقدمة أجبت بها نفسي بعد قراءة مقال لأحد الكتاب يتساءل عن أسباب الخيانة الزوجية وانتشارها في الوقت الحالي، ولماذا أصبحت الخيانة امرا يمر بطريقة عادية؟ ولماذا من يعدها خطيئة يتهم  بالتخلف؟
الأهداف الكامنة والظاهرة هي من قادتني الى الإجابة على ذلك التساؤل، عندما تذكرت بأن هناك تقليدا اجتماعيا يتعامل بصرامة مع قضية الطلاق، بينما تحولت تلك الصرامة الآن الى امر طبيعي يحدث امام أعيننا كل يوم، بل اصبح المطلقون والمطلقات موجودين في كل البيوت من دون أن يترك ذلك اي تبعات اجتماعية. 
لو رجعنا سنوات قليلة الى الوراء؛ نتذكر جيداً كيف كان ينظر المجتمع الى المطلقة او المطلق (وهما اللذان ينهيان عقد الشراكة الأسرية)، كان العراقيون يخشون من هذه الكلمة، بل أن لنا امهات لا يردن لها أن تنطق ولو حتى عن طريق سرد قصة شخص ليس بقريب، وكانت هناك أفعال اجتماعية تعاقب ( المنفصلين) واحيانا يتعدى الامر الى معاقبة أخوة واخوات المطلق، واولادها وبناتها، عن طريق الابتعاد عنهم وعدم الزواج منهم، خوفا من عار قد يلحق الشخص لارتباطه بأخت مطلقة، والادهش من ذلك كان الأب يخشى من مصيبة إن حدثت، فكيف سيواجه الناس إن طلقت ابنته؟. 
هل ان المجتمع بهذه العقوبات القاسية، والصرامة الغريبة يخشى من تفكك أسره، فيفرض هذا القدر من العقوبات؟ أم إن في الامر أسبابا كامنة؟ تلك التساؤلات رافقت الكثيرين، الذين أرادوا التمرد على هذه الظاهرة واعتبروها وصمة متخلفة، لا تنم عن واقعنا المتقدم، المؤمن بأن الزواج يشبه أي عقد بين طرفين، بطلانه شيء طبيعي، ويجب ألا يترك أي آثار.
وهذه حقيقة سطحية لا تنم عن معرفة الأهداف الكامنة من  العقوبة والتحذير من الطلاق، فإن الاستخفاف بالطلاق لم يؤد الى ازدياد حالاتها، كما هو حاصل اليوم، والذي هو نتيجة طبيعية، بل تعداها الى  (عدم الخوف من الطلاق) سواء من النساء او الرجال، والقدرة على مواجهة الوحدات الاجتماعية من أصغرها وهي الاسرة حتى أكبرها وهو المجتمع بعد 
الطلاق. 
وماذا يعني ذلك ( عدم الخوف من الطلاق)؟ يعني بأن الطلاق كان رادعا تخويفيا يمنع الاشخاص من التجاوز على حقوق الشراكة الزوجية، ليس حبا في تلك العلاقة، بل خوف من وصمة وعقوبات الطلاق. ومن ثمَّ فإن الذين يجربون الخيانة الزوجية هم في الغالب لا يخشون تبعاتها وهو (الطلاق)؛ كونها العقوبة  المعمول بها لعمل الخيانة ان اكتشفت، وهو شيء ليس بالصعب. تلك هي المرحلة الاولى، اما المرحلة الثانية، فمن كان معيقا له الانفصال وقد تعمق في أجواء الخيانة الزوجية، فسيتجه الى عمليات قتل الشريك للتخلص منه، فأصبح هناك انحرافان نتيجة للاستهانة بالطلاق اولهما الخيانة وثانيهما عمليات القتل داخل الاسرة، فلا تستهينوا بتقليد اجتماعي فأهدافه أبعد من 
أعينكم.