مؤشر المعرفة: سياقات التقييم وانطباعات التصور

الاثنين 25 كانون ثاني 2021 1022

مؤشر المعرفة: سياقات التقييم وانطباعات التصور
 الدكتور نبيل كاظم عبد الصاحب
 
 وزير التعليم العالي والبحث العلمي
 

تشترك الجامعات مع مراكز الدراسات والتفكير وهيئات البحث العلمي في مهمة إنتاج المعرفة وتحديد روافدها وتدقيق مساراتها وتصنيف تفاصيلها ولكن وظيفة الجامعة تتجلى بوضوح بحركة نشر المعارف وتسويقها عبر نوافذ خدمة المجتمع من خلال مناهج متخصصة تتصف بالنظر الشامل والبعد الواقعي والرؤية المستقبلية القابلة للتطبيق وزاوية المعالجة المنهجية التي توصل الباحث الى مرفأ الحقيقة 
أو المعرفة المكتشفة.
وليس هناك من شك في أن تسارع الدول باتجاه استثمار رأس المال المعرفي وازدياد حدة التنافس على مواقع التقدم يستند الى قاعدة علمية وجامعية رصينة لأن التعليم يرفع من كفاءة الآليات المسؤولة عن التنمية المستدامة ويحسن مستوى التفاعل النوعي في المجالات الثقافية والإدارية والاقتصادية والصناعية والسياسية التي يتعاطى معها المجتمع وينظر من خلالها الى أفق مستقبله القريب والبعيد .
وليس غريبا أن يثبت موقع منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) أن العراق كان رائداً في مجال العلوم في العالم العربي ولكن ضعف مستوى الإنفاق المحلي على البحث والتطوير العلمي كان واحدا من أسباب التأثير في الستراتيجية المعتمدة في هذا المجال وقد أفادت المنظمة الدولية بأن بلدنا العراق لم يحشد لدعم الابتكارات والبحوث إلا 0.04 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي في عام 2016 ويمكن أن نعزو ذلك الى ظروف عدة منها الحرب واهتزازات الاقتصاد الريعي للدولة.
وبكل الإحوال فإن تقرير اليونسكو للعلوم المنشور في 24 كانون الثاني/ 2019 أشر ضعفا في مجال الإنفاق على البحث والتطوير مما أثر في البنى التحتية للمعرفة وإدارة البحث العلمي في معظم البلدان العربية مما يستدعي منها بلورة سياسات فاعلة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار بهدف تحفيز إنتاج المعارف وإضفاء قيمة نوعية على المنتجات والمبتكرات.
ومن هنا جاء عنصر( الإنفاق الحكومي) مرتكزا رئيسا في تقييم الدول ضمن مؤشر المعرفة الذي أعلن عنه مؤخرا بالتعاون بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة بحيث إن مؤشرات التقييم التي اعتمدت على سبعة محاور رئيسة هي: محور التعليم ما قبل الجامعي (15 %)،  محور التعليم التقني والتدريب المهني (15 %)،  محور التعليم العالي (15 %)، محور البحث والتطوير والابتكار(15 %) ، محور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (15 % )، محور الاقتصاد (15 %)،  محور البيئات التمكينية (10 %).  لم يخل كل محور منها من قياس نسبة وأثر الإنفاق الحكومي في بيئة المعرفة وما يرتبط به من استثمار رأس المال المعرفي وزياد القوة في محركات البيئة التمكينية فضلا عما يوفره مؤشر الاقتصاد من قراءة على صعيد الحالة التنافسية والانفتاح 
الاقتصادي والتمويل.
وفي ضوء هذه الإضاءة لوحظ أن البعض وقع في خلط غير مقصود للمساحات أنتج سوء فهم واضطرابا جعل نسبة من المتواجدين في منطقة الرأي العام يخلطون بين مؤشر المعرفة العالمي والتصانيف العالمية للجامعات والمؤسسات الأكاديمية، وعلينا هنا أن نوضح أن مؤشر المعرفة لا يصنف الجامعات بل يصنف الدول عبر قياس أجزائها المرتبطة بالمعرفة ، وأن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ليست الجهة المعنية الوحيدة بتنفيذ متطلبات هذا المؤشر  بل هناك مؤسسات أخرى مسؤولة عن التنفيذ والمتابعة لأن محور (التعليم العالي) تبلغ نسبته بالتقييم 15 % من الدرجة الكلية للمؤشر وتشترك في نسبة مع وزارات أخرى في مؤشر التعليم التقني والتدريب المهني والبحث والتطوير والابتكار.
وحسب ما ورد في رسالة ممثلية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي تلقتها وزارة التعليم العالي فإن منهجية مؤشر المعرفة لا تستطيع حساب قيمة المؤشر الكلي للعراق في التقييم لعدم توفر البيانات الكافية والمعلومات عن بعض 
المؤشرات الفرعية. ولعل الفرصة مناسبة للقول إن عدم تسجيل بيانات العراق في هذا التقييم ليس خروجا لجامعاتنا العراقية عن مسار الجودة أو التصنيفات العالمية كما يتصور البعض ممن يتماهى مع العناوين فقط لأن المؤسسات الجامعية العراقية الحكومية والأهلية لها حضورها وتنافسها المتصاعد في تلك التصنيفات ولاسيما تصنيف (The  Times )   الذي تتواجد فيها ثلاث جامعات عراقية وتصنيف (QS) الذي تتواجد فيه جامعتان عراقيتان وتصنيف (Scimago) الذي تتواجد فيه سبع عشرة جامعة عراقية وتصنيف (Greenmetric) الذي دخلت فيها ستون جامعة عراقية وتصنيف (Webometrics) الذي سجل حضور وتنافس سبع 
وسبعين جامعة عراقية. 
وعلى صعيد النشر العالمي فإن البحوث العراقية المنشورة في مستوعبات سكوبس وصلت أعدادها الى أكثر من واحد وستين ألف بحث علمي حصدت منها جامعة بغداد موقع الصدارة وتأتي بعدها جامعات المستنصرية وبابل والتكنولوجية والبصرة والموصل والكوفة والنهرين والانبار والقادسية وكربلاء والتقنية الوسطى وتكريت وديالى والفرات الاوسط التقنية وذي قار والمثنى والتقني الشمالية وواسط وكركوك والقاسم الخضراء وميسان والتقنية الجنوبية والعراقية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والفلوجة وسامراء ونينوى والكرخ للعلوم وسومر والحمدانية وجابر ابن حيان الطبية وتلعفر والبصرة للنفط والغاز.
وعودا على بدء فإن العراق لم يكن ولن يكون خارج سرب المعرفة لأنه يحمل هويتها وتاريخها وعلى هذا وجهت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مخاطبات عاجلة وكتب رسمية الى عدد من الوزارات والمؤسسات بخصوص المؤشر الاحصائي للمعرفة الذي تتبناه مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتوفير البيانات المطلوبة.
وإذا كانت بيئة البحث العلمي في البلدان التي صنفها مؤشر المعرفة (138 دولة ) تمثل واحدا من أهم مسارات خط الشروع باتجاه العالمية فإن العراق ليس بعيدا عنها لأن مغذيات المعرفة حاضرة لديه ومستمرة بصورة فاعلة ما دام يمتلك جامعات ومخرجات مؤهلة جديرة بالتنافس العالمي.