قراءة ذوق الجمهور

الثلاثاء 26 كانون ثاني 2021 404

قراءة ذوق الجمهور
سامر المشعل 
 
إحدى أهم مواصفات المطرب الناجح أن تكون لديه قراءة صحيحة لمعرفة المزاج العام للجمهور. أمزجة الناس خاضعة للتغير والتبدل على مر الزمن والاحداث التاريخية، وكل مرحلة لها افرازاتها ومعطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن ثمّ هذه الافرازات تؤثر في طبيعة مزاج الناس واذواقهم.
فالناس يعتادون على سماع نمط معين من الغناء، وكل ما يسمعه الفرد يترسب في خلايا الدماغ، وان لم يحفظ ما سمعه. من ثمّ فإن تراكم ما يسمعه الشخص يشكل ذائقته الغنائية.
وبما ان الحياة متجددة ومتطورة ولا تقف عند حد معين، يأتي جيل يطرح فنه، وعادة ما يرفض ويقابل بالاستهجان من قبل الجيل القديم، أو ما يسمى بالكلاسيكي، وهو ما يعرف بصراع الاجيال.
التجديد اذا كان قائما على أسس ابداعية وجمالية، ممكن ان يحقق الاستمرار ويفرض نفسه، ويعمل على تغيير قناعات الاخرين، ويبدل المزاج من الرفض الى القبول، هذا ما حدث للفنان ناظم الغزالي، الذي انتقد في بداية مشواره، وهاجمه قراء المقام واتهموه بالاساءة للمقام والخروج عن قوالبه التقليدية، لكن الشباب كانوا متفاعلين مع الصيغ التجديدية التي تلبي رغباتهم، حتى أثبت الغزالي موهبته ونجح عراقيا وعربيا.
التحديات نفسها واجهها عبد الحليم حافظ، فعندما قدم أغنية « صافيني مرة « العام 1952 رفضه الجمهور ورماه بالبيض الفاسد، لم يترك الساحة واثبت موهبته، وعندما وقف على قدميه، اعاد تقديم الاغنية نفسها بعد عام، فتقبلها الجمهور وتفاعل مع الحداثة التي جاء بها.الصيغ التجديدية في التلحين التي جاء بها بليغ حمدي، هي التي أوقفت سطوة محمد عبد الوهاب وهيمنته على ساحة الغناء، وجعلت انظار المطربين الباحثين عن الشهرة تتجه صوب القاهرة، لينطلقوا مع ألحان بليغ نجوما في سماء النجومية العربية مثل وردة الجزائرية وميادة حناوي وسميرة سعيد، فضلا عن فناني مصر.
عندما يتوفر الاستقرار السياسي والاقتصادي وتكون هناك مساحة من الحرية، اضافة الى التقاليد الفنية الصحيحة والأجواء التنافسية النظيفة، ينتعش الفن ويزدهر وتتعدد ينابيع الابداع. ولعل فترة السبعينيات في العراق خير دليل على ذلك.
بعد عقد السبعينيات شهدت حركة المجتمع حافات حادة، فمن حرب الثمانينيات مع ايران الى غزو الكويت الى العقوبات الاقتصادية الى الاحتلال الاميركي الى احتلال عصابات داعش الارهابية واستيلائها على ثلث مناطق العراق، الى الفساد الذي أخذ ينخر في جسد الدولة وينهب ثرواتها، ويفتت المنظومة الاخلاقية والقيمية للمجتمع العراقي، نتج عن ذلك فن وأنماط غنائية هي انعكاس لحالة الانتكاسة الانسانية والا معقول وسذاجة ومرارة الحياة التي نعيشها. 
لعلّ أهم اسباب نجاح الفنان كاظم الساهر هو معرفته بمزاج الذوق العام، فمع توقف عجلة الموت اواخر الثمانينيات، اطلق اغنيات فيها ايقاع راقص ولغة جديدة، لم تألفها اذن المستمع العراقي، لكنه كان بحاجة لان ينفس عن كبوتاته ويرقص للحياة، التي غابت عنه طيلة ثماني سنوات على ايقاع « التلدغة الحية بيده « و» عبرت الشط «.
سطع نجم الساهر بهذه الاغاني الشعبية، وعندما وصل الى الساحة العربية، عبر بمركب القصيدة القبانية الى النجومية العربية، بعد أن غاب هذا اللون الراقي من اسماع الجمهور، ليتوج قيصرا اعاد للأغنية العربية هيبتها وألقها الغابر.
وللحديث بقية.