داود كبة

الأحد 31 كانون ثاني 2021 396

داود كبة
حمزة الحلفي 
طبيب عراقي ذاع صيته اواسط القرن العشرين حتى اصبح من اشهر الاطباء في العمارة وبغداد ومحافظات العراق الاخرى، الذين كانوا يتوافدون على عيادته في منطقة الباب الشرقي ( البتاويين)، بعد هجرته من محافظة ميسان حيث امضى فيها اكثر من عشرين عاما يعالج مرضاه مقابل مردود مادي رمزي او مجاني تعاطفا مع وضعهم الاقتصادي المتأزم، ونزوحه كان لغرض الاحتماء بالحكومة من المضايقات التي كان يواجهها بسبب يهوديته واتهامه جاسوسا لصالح اسرائيل، حتى وصل الامر بمصادرة امواله التي بلغت عشرين الف دينار لولا تدخل صديق دراسته الشهيد عبد الكريم قاسم رئيس الحكومة آنذاك الذي اوعز باستردادها وحمايته وعدم شموله من اسقاط الجنسية العراقية، وداود كباي الذي سماه العراقيون بطريقتهم المعروفة بتعريق المسميات تطويع اللهجتهم ليصبح (كبة) بدلا من كباي التي جاء اصل تسميتها من جباية الاموال .
وكباي كان محط احترام العراقيين المرضى والمتعافين نتيجة لمواقفه النبيلة الرجولية التي صارت سمته وهويته بمساندة الطبقة الكادحة حتى اشيع عنه كان يوزع مبالغ شهرية بين بعض الأسر المتعففة .
واحيانا اخرى يشارك اضافة لوظيفته كطبيب في حل المشكلات الاجتماعية ويحضر الفصول العشائرية من اجل تقريب وجهات النظر بين المتنازعين.
ولم تقف ديانتهم حاجزا بينه وبين من يلجأ اليه في حاجة او محتاجة، بل على العكس أضحت صورته الطيبة خيرا لتشمل كل اليهود العراقيين .
ناهيك عن هذا الرجل رفض بشكل قاطع الهجرة الى اسرائيل تضامنا مع ابناء وطنه الذين اعتبروا القضية الفلسطينية هدفهم الاول، وعندما أجبر على الهجرة اختار لندن منفى اخيرا حتى لايحنث بوعده في محاربة الفكر الصهيوني، الى ان توفاه الله عام 2003 عن عمر امتد (88 عاما) امضاها في خدمة الطب الانساني بكل مجالاته وفروعه .
وحدث ذات مرة واثناء عمله في عيادة البتاويين زاره شاب يشكو حال امه المريضة وان شفاءها لايتم بقناعتها، الا على يد هذا الدكتور فقال له: ( ابني جيب امك للعيادة واذا ماتكدر انا اروح وياك) فأطرق الشاب رأسه خجلا واخذ يتمتم بكلام مبعثر ) دكتور بس انا امي متدينة وتصلي) ولم يكمل جملته حياء منه عندها فهم الرجل ما يرمي اليه الشاب بحكم خبرته وأخذ يدور في رأسه وهو يلاحظ حيرة جليسه المرتبك، واخيرا اهتدى للحل فابتسم بوجهه وقال له:(هذه الايام يصادف عودة الحجاج قل لامك الدكتور في مكة وعند عودته سوف نذهب اليه واذا قالت لك كيف قل لها ان داود كباي اسلم وذهب للحج ). 
فنهض الشاب مصفقا لشجاعة هذا الرجل التي ابتكرها لحظة حرج كبيرة اراد من خلالها معالجة امه بأية طريقة كانت، وتم هذا الشيء بعد هذا الترتيب وبرأت العجوز من دائها اللعين تماما، وفي اخر زيارة شفاء كانت هذه التي كانت مريضة تحمل اناء من الحناء حتى توشم باب عيادته مثلما تفعله على ابواب الائمة، فصاح بها الطبيب منبها ( حجية بس اني بعدني يهودي مااسلمت فردت عليه وهي اكثر فرحا، يمة ادري اني ابني كلي بالطريق) واكملت ترسم حناءها على باب هذا العراقي.