مطعم السعادة

الأحد 14 شباط 2021 235

مطعم السعادة
حمزة الحلفي
 
امرأة سافر بها القدر الى العالم الاخر، (دلية) او ام عبد الله صخي (الروائي) والشهيد جبار صخي الذي اعدمه الطاغية المقبور صدام عام 1982على خلفية انتمائه للحزب الشيوعي.
يا سلام، كلما يمتد بي العمر لا يفارق انفاسي عطر الطماطم المقلية بدهن (الراعي) التي (تسويها وتكليها) بطريقة شهية الطعم والمذاق، وخصوصا عندما يكون جزء منها محروقا واسود، وتقدمها لنا في باحة دارهم الواقعة بمدينة الثورة داخل.. قطاع 51 مع الخبز البارد الذي يظل محتفظا بوشم اصابعها الباذخة، وتضيف: «الطماطة الحارة ويه الخبز البارد اطيب من الحار والذ».
كنا في عمر مبكر، يكبرنا ابنها الشهيد جبار وهو المسؤول عنا في منظمة الشبيبة الشيوعية «مو» المنظمة آنذاك غير اتحاد الشبيبة كونها تستقطب الفتيان من ابناء المنطقة، واغلب تجمعاتنا في هذا البيت او البيت الثاني في قطاع 44 الجوادر.
دلية (وليعذرني ابو خيام عبدالله وعبد الرضا أن اذكرها بما يحلو لي باسمها) تولد لديها حس امني واستخباراتي، فصارت تشم رائحة الامني (المراقب)عند اول دخوله (الدربونة)، وبالرغم من أن البعثيين يراقبون النبض الشيوعي بدقة الا انهم يتجاهلون ما نقوم به استصغارا ونفوذا، وهذا ما كان يدفعنا الى أن نجهر بالعلن انتماءنا للشبيبة، تحدياً لهم.
ويأخذني الحديث ايضا، كان عبدالله صخي الوسيم (شعر طويل وزلوف ومصاحب اشكد نسوان) يعاملنا مثل ما يعامل اصدقاءه: جمعة الحلفي، عواد ناصر، فاضل الربيعي، الشهيد علي جبار (بوتو)، حميد قاسم الذي كان (حلو مثل هسه).
واسهم احترام عبد الله لنا بتعزيز الثقة في دواخلنا الفتية، كما كان يلح علينا بالقراءة الخارجية، فترفعنا عن المناهج الدراسية آنذاك ولم يتسنَ لبعضنا إكمال دراسته.
نسطو دائما على ثلاجة (دلية) ونسرق (الكبة) وطبعا بأمر شرعي من جبار الذي كتب بحرف كبير على الثلاجة (مطعم السعادة).
وعندما تشعر بوجودنا تفز من فراشها وتنقض علينا بـ (البوري) الذي تضربه في الهواء فوقنا، فنجري امامها ونتوزع في (الدربونة) لاهثين ضاحكين بصوت هستيري، وهي تصيح خلفنا: «حرامية سرسرية ما تستحون» ومن بعدها تدير وجهها الى البيت وهي تحبس ضحكة انتصار، بعد نصف ساعة تخرج الينا وتنادي بصوت نصفه خافت: «تعالو اتزقنبوا خل اسوي الچاي».
ام عبدالله كانت الانموذج العام لأمهاتنا المتشابهات في العطاء والحنان وطائلة الضيم التي امتزجت مع حليبهن الطاهر، حتى خرجنا لهذه الدنيا، شاربين الهم بطعمه المر فانعكس هذا الاحساس الموجع على كتابتنا في الشعر والرواية واللوحة والغناء.