العتابا في الذائقة اللبنانيَّة

الأحد 14 شباط 2021 314

العتابا في الذائقة اللبنانيَّة

 بيروت: جبار عودة الخطاط

ترجم اللبنانيون ظروف حياتهم اليومية الى فنون شعبية شجية؛ تجعلنا نقف ازاء ذلك الكم الضخم من المكابدات التي حولها اللبناني العاشق للحياة الى نصوص وأغانٍ باذخة الجمال، والعتابا من أبرز فنون الشعر الشعبي اللبناني و أكثرها شيوعاً، اذ عشقها الناس والتصقوا بنماذجها الجميلة ونادراً ما تجالس لبنانياً، لا سيما من كبار السن في الضيع اللبنانية: البقاع والجنوب وجبل لبنان ومناطق اخرى، من دون أن يشنف مسامعك بقراءات فطرية لذيذة من العتابا!
ومن مرويات شخصية معمرة في بقاع لبنان، ما يحكى ان مزارعا يقطن جبل الاكراد مع زوجة جميلة يعشقها جداً اسمها «عتاب» ولشدة حسنها طمع بها اقطاعي المنطقة، فسلبت لبه وراح يتحين الفرص لانتزاعها من زوجها والظفر بها، وتمكن اخيراً من ذلك، فبقي المزارع يضرب اخماساً في اسداس، فهو غير قادر على استردادها منه، ولم يكن بمقدوره ايضاً نسيانها والخلاص من النازلة التي المت به وجعلته طريح الفراش لا يقوى على النوم او كتمان غضبه، فلم يكن امامه سوى هجر ضيعته، متنقلا من ضيعة الى اخرى حتى استقر به المقام في عكّار شمالي لبنان، وهو يبث لواعجه من خلال ما ينشده للناس على وقع ربابته وكان مما غناه: «عتابا بين بَرمي وبين لَفتي.. عتابا ليش لغيري ولَفْتِي..
انا ما روح للقاضي ولا افتي.. عتابا بالثلاث مطلّقــا»
والحق ان ارث الشعر الشعبي اللبناني والعتابا على وجه التحديد تتسم بثراء استمد جماله من جرس الالفاظ المحببة الذي تتميز به اللهجة اللبنانية، يقول الشاعر بطرس ديب: «المرج ع خمرها سكّر نباتو.. نسي ع شفافها سِكَّر نباتو.. السبع لما شافها سكّر ناباتو.. لانُّو العين سِطْيِتْ عَالنياب».
وبتصفح في طبيعة المجتمع اللبناني، لا سيما اولئك الذين يسكنون الضيّع نجدهم هم اقرب الى الشعر الشعبي والزجل والعتابا منهم الى الشعر الفصيح، وهم كثيراً ما يستشهدون بنماذج منه في مجالسهم وسهراتهم على رائحة القهوة والحلوى العربية.
سألت احدهم وهو شخصية مثقفة لماذا تفضلون الشعر الشعبي على الفصيح؟ فقال: وهل يستطيع الشعر الفصيح أن يجاري ما تكتنزه من جمال موسيقي هائل وصور شعرية من نوع السهل الممتنع: «حدِّ البحر شُفتِك عارملو مْشَلْقَحا.. بْتِحلَمي احلام بَيْضا مْفَرْفِحا.. والليل عِمْبِيْشِلْحِك فُسْطان نور.. ويقول وَيْن الكون؟ والكون انمحا»
كلام صاحبي احالني على الفور لما سبق أن قرأته عن جبران خليل جبران بقوله: «وعندي في «الموالي» و»الزجل» و»العتابا» و»المعنّى» من الكنايات المستجدة، والاستعارات المستملحة، والتعابير الرشيقة المستنبطة، ما لو وضعناه بجانب تلك القصائد المنظومة بلغة فصيحة، لبات كباقة من الرياحين بقرب رابية من الحطب، او كسراب من الراقصات المترنِّمات قبالة مجموعة من الجثث المحنَّطة». 
وهنا يتماهى جبران مع ما ورد بالأثر عن الفرزدق عندما سأل الشيخ عمرو بن العلاء: من أشعر أنا أم جرير؟ فأجابه: انت عند العلماء، وهو عند العوام، فاعجب الفرزدق بقوله، ولمّا بلغ هذا القول جريراً تنفس الصعداء وضرب فخذيه بكفّيه قائلاً «غلبته والله فليس في الالف من الناس عالم واحد»!