الأقنعة التنكريَّة

الاثنين 15 شباط 2021 480

الأقنعة التنكريَّة
 يوسف محسن 
 
يكتب هومي بابا أن (السرد يكمن في لب ما يقوله المكتشفون والروائيون عن العالم)، وتعد الروائية عالية ممدوح إحدى المكتشفات في صناعة العوالم الغريبة، على الرغم من الصعب تقديم لوحة شاملة عنها بسبب ما يكتنف مسيرتها الروائية من غموض وتعقيد. فهي (المرأة المهاجرة) التي تصنع حكايات الفجيعة وتخليق التاريخ من الواقع اليومي، تأتي رواية (الغلامة) بعد (التشهي) و(المحبوبات) والولع والنفتالين، وغرام براغماتي، والأجنبية وصولاً إلى التانكي) تستكشف عالم الحياة اليومية والعلاقة بالسياسة والمرأة وعوالمها الخفية، ففي الغلامة تحاول ممدوح رصد تمظهرات المرأة نتيجة القمع والاذلال والترويض والنزاعات الايديولوجية، والذكورية المغلقة التي تمارسها الجماعات السياسية الشمولية.
في الرواية تغطي ممدوح فترة جنونية من تاريخ الصراع السياسي الدموي في العراق، بدأ من نقطة مفصلية في دموية الصراع على السلطة السياسية الذي انحصر منذُ وصول العسكر إلى السلطة بين القوميين والشيوعيين، إذ تمكن القوميون من السيطرة على دفة الحكم بانقلاب دموي في 8 شباط 1963، ثم تسرد مشهد اعتقال (صبيحة) ومشاهد التحقيق والاغتصاب، إنها حكاية فتاة جامعية تقيم عند خالتها في الأعظمية أحد أحياء بغداد، وتعيش حياة طبيعية تزاول فيها الدراسة والكتابة والترجمة، وتحلم بالحب، إلى أن يُلقى القبض عليها ذات ليلة من شباط 1963، وتقاد الى نادٍ رياضي للتحقيق معها عن (بدر) الذي تربطها به علاقة حب، وتتعرض الى أبشع أساليب التعذيب، ويتناوب الحراس على اغتصابها، ينتهي بالحمل لتخرج منه، متنكرة لحياتها، متنقلة بين حيوات الآخرين وعلاقتها بهم من أبيها وأمها وخالتها، وصداقاتها، إلى علاقاتها الغرامية المتعددة، وأسمائها التي تستبدلها بين حين وآخر، فتشكل هذه الحادثة نقطة تحول في حياتها الشخصية وتهجر العالم الخارجي وتنكفئ على ذاتها، إلى أن تنتهي حياتها جثة هامدة مرمية عند جرف دجلة. 
تجمع الروائية في عملها شخصيات مشوة نتاج الايديولوجيات المغلقة التي هيمنت في لحظة عاصفة من ستينيات العراق. في اللحظات التي يقود فيها رجال الأمن الثلاثة (صبيحة) نجد كيفية اشتغال المتخيل السردي في العالم السفلي من اجل اعادة التوازن النفسي في تلك اللحظة كانت تشغلها ملابس المحققين ورائحتهم.
تقول الروائية (بقيت 30 سنة وأصوات الجلادين وأصوات الضحايا في ذلك السجن القريب من بيتنا في أذني، قبل ان أتمكن من كتابة الرواية، كيف تحول النادي الرياضي إلى سرادق للمساجين ومن الجنسين. عليك امتلاك جرأة القاتل وأنت تجوس تلك القيعان الشائكة من ذاتك)، في رواية الغلامة حاولت الروائية شحنها بسرد وبناء وتشكيل للشخصيات. والاساطير (التي تعود وتهزم الواقع والوقائع، واي واقع باستطاعته ان يقاوم الأساطير. أظن بعض الاساطير راسخة الجذور. كدت أقتل حالي لاستجلابها إلى النص والاشتغال على الفجوات) بالاستعارات الايروتيكية والميثولوجية. 
صبيحة هذه (الشخصية الوحيدة التي أنا التي تشبثت برقبتها ولليوم لكي لا يقضى عليها بتلك الطريقة التراجيدية فبقيت تسحبني معها لجنونها التام (صبيحة) شخصيتها جبارة، قاهرة، حتى طريقة موتها اخافتني وهي ترتبها لي. قصاصها الوحيد هو تأليفها وسطوتها وسخريتها من المؤلفة).