الفلسفة والحياة

الخميس 25 شباط 2021 358

الفلسفة والحياة

    علي المرهج

مشكلة الفلسفة أنها كما يظن البعض "نخبوية" ولغة أهلها لا صلة لها بحياتنا الواقعية!!، وكأن الفلاسفة قدموا من كوكب آخر غير كوكب الأرض!.
لماذا لا ترى في ذاتك بُعداً واضحاً لمعرفة حقيقتك التي تروم الفلسفة تقريبك منها عقلانياً؟!، ولكنك تبتعد عنها لأنك تكره الجهد في المعرفة الفلسفية، لتؤجل المعرفة بحياتك وتضعها بيد آخر وفق المثل العراقي القائل: "ذبها براس عالم واطلع منها سالم"!.
ألا تقبل التفكير والتفكر في أصل الوجود والحياة، وتتهم الفلسفة والفلاسفة بأنهم يكتبون بلغة مُعقدة، فذلك لأنك ترهن عقلك بيد غيرك، ولا تُعمل ما وهبك الله من قدرة معرفية للكشف عن حقيقتك وحقيقة هذا الوجود الذي أخذ الفلاسفة على عاتقهم كشفه لك وتحمل المسؤولية في النقد، لكنك لا تقبل أن ترى الحقيقة بعيون الفلاسفة، وترضى أن تُسلم عقلك بأيدي (وعاظ السلاطين) بتعبير الدكتور علي الوردي، هؤلاء الذين لا يمنحونك المعرفة، بقدر ما يُحاولون ترويضك وجعلك عبداً مطيعاً لا لله (سبحانه وتعالى)، بل عبد مطيع للسلطان وأتباعه الذين يُحاربون الفلسفة، ويعدونها (رجس من عمل الشيطان) لأنها تحد من سلطتهم، وتُشكك بمقدار معرفتهم.
حينما تقول لهم إن طاليس فيلسوف الوجود الأول بحث عن علّة أولى للوجود، والأديان السماوية كل غايتها هي تأكيد ما ذهب له وفق نصوص إلهية يبقون ينظرون لها وكأنها مجرد كلام لا معنى له!.
إن قلت لهم إن بارمنيدس فيلسوف الوجود وأن الوجود موجود ولا يُمكن أن يكون غير موجود، وأن اللاوجود غير موجود ولا يُمكن أن يكون غير موجود.
أو فيثاغورس فيلسوف العدد، وأن العالم عدد ونغم، ومرجع العدد إلى الواحد الذي شكل النظام وأن الواحد هو أصل الأعداد، وأن النظام سجية في الطبيعة، وحينما يعرفون هذا الأمر ينبهرون وكأنك عرفتهم بالمُعرف!.
حينما يقول هيرقليطس لك "لا تنزل النهر مرتين" بمعنى أن مياه النهر تجري باستمرار، وأنك حينما تزل في لحظة ما في النهر، تختلف عن نزولك له في مرة أخرى، فتلك حقيقة، وهي أن الوجود في تغير دائم.
سقراط قال (اعرف نفسك)، وفي قول إسلامي (من عرف نفسه، فقد عرف ربه).
السفسطائية قالوا "إن الإنسان مقياس الأشياء جميعاً، مقياس ما يوجد، ومقياس ما لا يوجد" هذا ما ذكره فيلسوفهم "بروتوغوراس" (إنك إنسان وأنا إنسان، وما يبدو لي ليس كما يبدو لك)، بمعنى أن المعرفة نسبية ومتغيرة، ولا يتفق البشر على حقيقة واحدة.
أما كهف إفلاطون الكاشف عن أوهامنا في رؤية العالم، فهو وإن كُنا لا ندعي وصلاً به لأنه يتحدث عن حقيقة عالم المثال، لكنه يكشف لنا زيفنا في العيش والتأمل الوهمي في عالمنا الواقعي هذا، ليُحدثنا عما ينبغي لنا تحقيقه من ربط بين المعرفة والفضيلة الذي هو من عالم المثال (الحقيقي) لا من عالم الواقع (الزائف).
هناك لذة في الحياة ولا تتحقق اللذة إلا بعد ألم، هكذا قالت الأبيقورية، لا يُجيبونك، وكأنك تكشف لهم عن جديد!!.
الفلاسفة الرواقيون يبحثون عن سعادة البشر، ليذهبوا مع سقراط في تأكيدهم أن "الفضيلة هي مصدر الخير للبشر"، وأن اللذة والغريزة ليستا شراً بحد ذاتهما إنما هما مرهونتان بمسعانا وطريقة استعمالنا لهما، ليجعلوا من الفضيلة وسيلة للسعادة.
كل ما ذكرت إنما هي من تمظهرات الفلسفة مع الحياة ومحاولة الفلاسفة في الجواب والأشكلة على الوجود في الوقت ذاته.
الفلسفة رغم كل نقد الجهلة لها، لكنها تحتوي على النقد، وتُدافع عن كل رؤية وإن بدت معارضة لها.