خارج الصندوق

الأحد 28 شباط 2021 94

خارج الصندوق
 غسان حسن محمد 
 
 
الماء سرُّ الحياة، عبارة اعتنقها كمبدأ لا يحيد عنه، في كل صباح يحمل آنية جديدة، يضعها بعناية تحت صنبور الماء، يفتح الصنبور ليغسل وجهه، محاذرا ان تسقط قطر ماء الى الارض، يظن الرجل ان قطرة الماء لايجب ان تزهق حياتها على ارض تمنحها الفناء. ما ان ينتهي الرجل من غسل وجهه، حتى يحمل الآنية ذات الماء القليل ويضعها الى رف بجوار أوان أخريات سبقنها بأداء الدور..، أعلى الرف رسومات لغابات بالغة القدم تظهر الانسان الاول بهيئة تقترب من الاشكال الحيوانية، كما يعتقد علماء الأنثروبولوجيا..، رسومات اخريات تظهر ذات الغابات بإنسانها الحديث يرتدي ملابس الجينز حاملاً بيده حفنة من النقود تستقر عليها عيناه.يسير الرجل في أزقة المدينة، يصل الى سوق المدينة، يفتح دكانه، يرتب الاقمشة، يجلس خلف الطاولة، يتمعن في الاقمشة ذات الالوان الزاهية. 
يكمل عمله حتى المساء، يقفل دكانه، ويعود الى بيته.ما ان يحل المساء حتى يبدأ بإعداد القهوة، يتلذذ بشربها، القهوة.. اكسير يفعَّل في مخيلته ومداركه افكاراً لكتاباته 
المقبلة.يرى ان الفكرة الخلاقة يجب ان تتمرد وتغادر الصندوق..، لم يكره في حياته شكلاً هندسياً كما كان يكره الصندوق.. يرى فيه المحدودية بأبشع اشكالها..، يرى القيد الاختياري للإنسان القانط الكسول الذي تسربلَه الخوفُ سنةً في حياة تمقت السكون والرتابة والنمط بأصفاده الكثيرة.عشق المسرح إلا أنه لم يتحصل على شهادة اكاديمية ولم يكن يحضر العروض..، يراه صندوقاً، جدرانا شاهقات تقف عثرة امام البصيرة.. أنشأ الرجل مسرح الشارع..العديد من الأطفال علمهم فن التمثيل، جمع متسولي المدينة ومنحهم الادوار..، نشط في كتاب الحياة وهو يبث فيه حكايات المهمشين وكائنات الظل..، والبسطاء من عامة الناس.خاصمه اصحاب البروج العاجية، منعته ادارة المدينة من عمل المسرحيات بدعوى تخريب الذائقة الثقافية، والاساءة الى الفن الجميل، وتعويم اللغة، وبث الافكار السوقية بين ابناء المدينة.
ذات مساء، عاد الرجل من السوق منهكاً، حزينا، كئيبا، متألما لما حصل معه، استلقى على سريره وعيناه تجولان في الفضاء، بعد ان غدا العالم الخارجي صندوقاً يقبع في خلده الفناء. ليست الأنفس الحرة الوثابة، المتمردة، تستسلم للقيد.نهض من مكانه امسك بالقلم والورقة،وكتب: (العالم صندوق لاتهدم جدرانه إلا الأفكار الحرَّة).
استيقظ كعادته في الصباح، اتجه نحو رف الأواني.. أدهشه ان الاواني بمائها القليل قد تحولت الى تماثيل مختلفة الأشكال والأفكار.
تمثال(1): طفل يستلقي على ظهره ممسكا بحصانٍ خشبي.. يرنو ببصره الى شيء ما في الفضاء، فيبتسم ابتسامة عريضة.
تمثال(2): شاب يغرس سكيناً في قلبه، وحوله يجتمع أناس برؤوس حيوانية، فاتحي الأشداق على وسعها.
تمثال (3): رجل يقف الى بئر..،يضع رأسه فيها بينما يده الشمال ترتفع الى الأعلى ممسكة بقمر شديد البياض.
تمثال (4): معلم يحمل القلم ويقف الى لوحة كتابة، وأمامه صبية يجللهم السرور، يتعلمون منه الدرس، وثمة أزهار متعددة الأشكال والألوان تنط من صدورهم.
تمثال (5): رجل وامرأة يجلسان الى أريكة في متنزه، يمسكان بأيدي بعضهما البعض، والابتسامة تعلو محياهما..خلفهما شجرة بساق مرقطة ورأس أفعى متأهبة للهجوم عليهما. 
تمثال (6): امرأة يجللها الحزن والحيرة والارتباك تقف امام خمسة قبور وخلفها بحر عظيم، وقربها مقبرة من السيوف والخناجر والبنادق الآلية وقد كساها الصدأ.
آنية (7): تمثال لمجموعة من الرجال والنساء مختلفي الاعمار..، بلا أفواه، يجتمعون الى طاولة مستديرة وضع عليها عجل حنيذ.
ذهل الرجل مما رأى..، تسمر في مكانه، تمعن بالتماثيل. ذهب نحو طاولة الكتابة، رأى الى دفتره وقلمه ثم الى التماثيل..،مضى الرجل 
مع الزمان-شاهده الأوحد-، يؤدي دورا لم تحفل به صحائف الحياة، بين دفترٍ وقلمٍ وتماثيل.