النجف والتعايش المشترك

الثلاثاء 02 آذار 2021 148

النجف والتعايش المشترك
جواد علي كسار
إذا شئنا الاختزال يمكن أن نختصر الدور الذي برزت به مرجعية النجف الأشرف ما بعد التغيير، بعناصر مكثفة منها الإصلاحية الهادئة؛ وتركيزها على إمكان الدولة الوطنية شرعاً، وضروريتها للعراق واقعاً وفعلاً؛ وتبنّيها لمبدأ الشرعية الشعبية كنقطة ارتكاز متقدّمة على طريق تأصيل الدولة الوطنية؛ ودعواتها المتكرّرة إلى تحصين القرار السيادي والوطني وحمايته من تدخلات الغرباء جميعاً من دون قيد وشرط، وعدم التأثير عليه ومصادرته تحت أيّ ذريعة ولو كانت إسلامية؛ اضافة إلى نهجها الانفتاحي ورفضها التحوّل إلى حزب، لإيمانها أن حاملها الفعلي هو المجتمع العراقي نفسه، والدولة العراقية ذاتها، ومعها جميع التوجهّات الحزبية والحركيات الاجتماعية الناشطة في الساحة.
الإصلاحية الإسلامية كهوية لحاضرة النجف الأشرف ومرجعيتها الحالية، تهب البلد مزايا أهمّها على صعيدي الدولة والمجتمع، عدم وجود مشكلة أساسية للإصلاحية مع الدولة الحديثة، لأنها ببساطة من دعاة الدولة العصرية، ومن ثمّ فإن الدولة الحديثة هي مشروعها.
أما اجتماعياً فهناك طابعها الانفتاحي على جميع فئات المجتمع وأطيافه، ضمن تكييف فقهي أطلق عليه السيد السيستاني «مبدأ التعايش السلمي المشترك» يتحرّك باتجاه انفتاح المجتمع وتعايشه، في نطاق التعدّدية المذهبية والدينية، مما ورد في بحوثه الفقهية، كناظم للجوانب الاجتماعية والمالية والحقوقية بين مذاهبه وأديانه.
لقد قدّم السيستاني تكييفاً فقهياً لإعادة تأسيس العلاقة بين أبناء المجتمع الواحد المتعدّد في المذاهب والأديان، من خلال تأصيل هذه المعايشة وبنائها على أساس ما أطلق عليه بمبدأ التعايش السلمي المشترك، كقاعدة ارتكاز فقهية، بدلاً من الثنائيات الموروثة من بقايا الفقه السلطاني النازع إلى التجزئة والاختلاف، أو النظريات الحركية المفرطة بالمثالية والعالمية وطمس الخصوصية والاختلاف.
نقرأ في تقريرات بحثه الخارج حيال قاعدة الالزام، نصّ قوله: «والحلية في المورد [موضع النقاش] من الممكن أن تكون على أساس قانون آخر غير قانون الإلزام، وهذا القانون هو قانون الاحترام المتبادل، في ما إذا كان بناء المجتمع المتشكّل من الأديان والمذاهب المختلفة، على التعايش السلمي، فإن ذلك يستدعي احترام كلّ من الأطراف قانون الآخر".
هذا برأيي أهمّ ما يمكن أن تقدّمه النجف الأشرف اليوم، ليس للعراق والعالم الإسلامي وحدهما، بل للعالم والإنسانية أجمع!