بين الضرورة والإضرار بالمستهلك.. السوق العراقيَّة تُغرَقُ بالمنتجات المستوردة

الأربعاء 03 آذار 2021 335

بين الضرورة والإضرار بالمستهلك.. السوق العراقيَّة تُغرَقُ بالمنتجات المستوردة
   د. سماء الزبيدي 
مع اقتراب فصل الصيف، بدأ حسن علي (35 عاماً) بجمع المعلومات من المحيطين به عن جهاز التكييف المناسب ليقتنيه، الا انه دخل في دوامة من الاصناف والاحجام وترددت اسماء علامات تجارية عديدة على مسمعه وزادت حيرته باختيار الافضل، حينما قرر البحث في السوق، مستفيداً من تجارب الآخرين، فتكررت علامات بأسماء ورموز متقاربة يصعب التمييز بينها، وتتفاوت اسعارها، ما يشعره بقلة الارتياح عند اتخاذ قراره بالشراء، فما أن تفتح صفحتك على اي تطبيق في مواقع التواصل الاجتماعي حتى تزاحمك الاعلانات عن منتجات متنوعة لم تبحث عنها اصلا، وان تجاهلتها تحاصرك اعلانات المشاهير ومن تتابعهم من مدونين ومؤثرين عن اصناف اخرى من المنتجات، او تلاحقك وانت تشاهد احد مقاطع الفيديو على هاتفك وحتى وانت تتابع التلفاز، وعندما تذهب الى الاسواق لاقتناء منتج محدد، تتفاجأ بعدد العلامات التجارية للسلعة ذاتها، السوق العراقية تغرق بالمنتجات المستوردة لتخدم ام تضلل المستهلك؟!.


تشجيع التجربة
تحفز الاسعار المنخفضة لبعض المنتجات الكثير لشرائها وتجربتها، وما عانته  شريحة كبيرة من المجتمع العراقي من سنوات حرمان حفز لديهم الرغبة بالشراء و مع غياب المنتج المحلي، اصبحت المنتجات المستوردة باسعارها المقبولة ملجأ للمستهلك، لاشباع حاجته واحياناً تكون دافعاً للتجربة، ياسر عبد العباس (30 عاماً) يعتقد أن هذه البضائع بجودتها المختلفة واسعارها المتفاوتة تشجعه على التجربة للوصول الى المنتج الافضل بما يتناسب مع قدرته الشرائية، ولا تتركه في حالة حرمان خصوصا هو لا يهتم باقتناء علامات تجارية محددة تماشيا مع صرعات العصر.
 الدكتور سعدون حمود جثير الاستاذ في جامعة بغداد والمختص بالتسويق يجد أن من حق الزبون ايجاد التنوع في الاسواق وبقيم نقدية متفاوتة تتلاءم مع القدرات الشرائية المتفاوتة، لكن من الضروري أن تكون ضمن مواصفات عالمية متفق عليها لضمان جودة المنتجات.
 
اغراق السوق
اصبح العراق بسبب ما تعرض له من انتكاسات امنية واقتصادية منفذاً لمختلف الدول لتصريف بضائعها، و يمكن أن يعتبر المواطن هذا التنوع حالة ايجابية لقدرته على الشراء رغم تواضع دخله، ومواساة بعدم تعرضه للحرمان الكامل وان كان في جوانب معينة، اذ اصبحت السوق العراقية بؤرة للمنتجات الرديئة الجودة وبمواصفات مرفوضة عالميا احياناً، وما شجع ذلك هو غياب ستراتيجية تحديد احتياجات السوق من البضائع و ضعف المنتج المحلي، واهمال الجوانب الفنية في ترغيب الزبون به، وعدم تغطيته لاحتياجات السوق، الدكتور بلاسم جميل ، خبير اقتصادي يجد أن ما اوصل السوق العراقية لما هي عليه اليوم هو غياب المنتج الوطني وبقاء قانون حماية المنتج الوطني رقم (11) لعام 2010 المعدل معطلاً ما اضر بالاقتصاد العراقي و عطل شريحة كبيرة من الايدي العاملة. 
 
الوعي الاستهلاكي
يجد المهتمون بدراسة سلوك المستهلك العراقي ضعف الوعي الاستهلاكي لديه، ويقصد به قدرة الفرد على حسن استخدام واستغلال الموارد المتاحة المرتبطة بجميع الخدمات المتوفرة وعدم الإسراف  في استخدامها، و تقلیل الهدر بقدر الإمكان لديه، فكثيرا ما يتم الشراء بطريقة عشوائية نتيجة الظروف المتوالية غير المستقرة التي تؤثر في سلوكه، وبحسب الدراسات العالمية فان 95 % من قرارات الشراء تكون غير واعية، وان ارتفاع الوعي يحقق التحكم في السوق والمنتجات المتوفرة فيها و في مساع لنشر التوعية، يقيم مركز بحوث السوق وحماية المستهلك في جامعة بغداد ندوات و ورش عمل بالتعاون مع وزارة الصحة، والجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية وجهات حكومية اخرى، الدكتور يحيى كمال البياتي، مدير مركز بحوث السوق وحماية المستهلك يرى أن "نشر الوعي الاستهلاكي يحتاج الى بناء جيل واع تترسخ فيه العادات الصحيحة للشراء، لذلك اقترحنا خلال لقاءاتنا مع جهات عدة منهجاً، يدرس في وزارة التربية والتعليم يسمى بآفات المجتمع للتوعية بجميع ما قد يضر الفرد، ومنها الجوانب الاستهلاكية". 
 
حماية المستهلك
شرع قانون حماية المستهلك بتاريخ 4 /1 /2010 ويهدف هذا القانون إلى ضمان حقوق المستهلك الأساسية وحمايتها من الممارسات غير المشروعة التي تؤدي إلى الإضرار به، ورفع مستوى الوعي الاستهلاكي، ومنع كل عمل يخالف قواعد استيراد أو إنتاج أو تسويق السلع أو ينتقص من منافعها أو يؤدي إلى تضليل المستهلك. 
وعلى الرغم من أن القانون الجديد معطل الى الان، لكن جهاز التقييس والسيطرة النوعية يتمتع بالمسؤولية القانونية لممارسة تنفيذ احكام النظام القومي للسيطرة النوعية لعام  1988 و من اهم الاختصاصات الحصرية للجهاز بموجب احكام المادة "3 /ثانيا و ثالثا" من القانون 54 لسنة 1979 المعدل، ضمان حماية المستهلك والصحة العامة والبيئة عبر آليات تقويم مطابقة السلع والمنتجات (المحلية او المستوردة) للمواصفات العراقية المعتمدة ذات الصلة المباشرة بالمستهلك، والجهاز مسؤول عن فحص منتجات لا تتجاوز 20 % الى 30 % من المواد المتوفرة في السوق المحلية، ويختص بفحص المواد المصنعة فقط، اما بقية المنتجات فهي من مسؤولية وزارة الصحة، ووزارة الزراعة، ووزارة التجارة، وهناك مواد مصنعة اخرى لا تخضع للفحص تكون عائديتها للوزارات والدوائر الحكومية. 
 
آليات الفحص
 نظراً  للظروف الطارئة المتوالية التي مر بها العراق، فان امكانات الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية  بقيت متواضعة، ما اضطر الى التعاقد عام 2011 مع عدد من الشركات الفاحصة الاجنبية، ومهمتها فحص المنتجات وفقاً للمواصفة العراقية في بلد المنشأ الذي تستورد منه البضائع، فعلى التاجر الراغب بالاستيراد الاستعانة بالمواصفات والمواد المصرح بها التي يزوده بها الجهاز، وتخضع بضاعته بعد التصنيع الى الفحص المختبري لتزوده الشركة المتعاقدة بشهادة صلاحية التصنيع التي ترافق بضائعه الى المنافذ الحدودية العراقية (البالغ عددها 20 منفذاً، يعمل منها 14 منفذاً فقط عدا منافذ اقليم كردستان)، اذ يقوم ممثلو الشركات الفاحصة المتواجدون في مكاتبهم الخاصة في المنافذ الحدودية  بالكشف البصري على البضاعة وبيان مدى مطابقتها مع المعلومات المدونة في شهادة الفحص المسبق وفي حالة مطابقتها يتم اصدار شهادة اطلاق وفي حالة عدم المطابقة يتم اصدار وثيقة عدم اطلاق، اضافة الى تعرض المنافذ الى لجان تفتيش مفاجئة من قبل موظفي الجهاز، اذ تنفذ برنامج المراقبة والتدقيق والتحقق لعمل الشركات وممثلي مكاتبها وسحب عينات عشوائية من المنتجات لترسل الى مختبرات الجهاز المركزي في بغداد، والبصرة وواسط لغرض اعادة الفحص والتأكد من صحة اصدار شهادة الفحص المسبق المشار اليها اعلاه، اذا كانت مخالفة للمواصفة، فان هناك اجراءات قانونية وغرامات مالية صارمة بحق الشركة الفاحصة ( المرخصة).
 
خطوات فعليَّة
يبين المهندس شاكر محمود العبادي، المدير التنفيذي لجهاز التقييس والسيطرة النوعية، "لا يخفى على احد أن قضايا الفساد طالت بعض الحالات في المنافذ الرسمية، ولكن الجهاز يقوم بخطوات فعلية نحو حماية المستهلك من خلال اعتماد برامج مؤتمتة لتتبع البضائع المفحوصة من قبل الشركات الفاحصة وتدقيق الشهادات الصادرة عنها  لحين وصولها الى منافذنا، ويرتبط هذا البرنامج مع هيئة الجمارك والمنافذ الحدودية في محاولة لتقليل دخول البضائع المخالفة، اما الخطوة الاخرى فهي الاستفادة من الشبكة العنكبوتية بنشر نشاطات الجهاز والمواد المسحوبة من السوق في الموقع الالكتروني للجهاز واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل مع المواطن، لأن اللجوء الى القنوات التلفزيونية لعرض نشرات اعلانية مكلف بالمقارنة مع الامكانات المادية المتاحة، واخيرا يتطلب الحد من استغلال المواطن وحمايته، زيادة وعي المستهلك بما يقتنيه من بضائع اضافة الى تكاتف الوزارات ذات العلاقة (وزارة الصحة، الصناعة، التجارة، الزراعة) لحماية السوق العراقية".

آراء وتدوين


Banner